صديق الحسيني القنوجي البخاري
140
فتح البيان في مقاصد القرآن
كم من قلوب رقاق إثر عيسهم * يا حادي العيس رفقا بالقوارير والمراد بها هنا بيت الزجاج فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت . و قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي أي بما كنت عليه من عبادة غيرك وهو الشمس وقيل : بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها توهمت أنه أراد تغريقها في اللجة . والأول أولى . وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ متابعة له داخلة في دينه وهو الإسلام لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ التفتت من الخطاب إلى الغيبة قيل : لإظهار معرفتها باللّه ، والأولى أنها التفتت لما في هذا الاسم الشريف من الدلالة على جميع الأسماء ، ولكونه علما للذات . وأخرج ابن المنذر ، وعبد بن حميد ، وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عباس في أثر طويل « إن سليمان تزوجها بعد ذلك » ، قال أبو بكر بن أبي شيبة : ما أحسنه من حديث . قال ابن كثير في تفسيره بعد حكاية هذا القول : بل هو منكر جدا ، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس واللّه أعلم . والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما يوجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما اللّه فيما نقلا إلى هذه الأمة من بني إسرائيل ، من الأوابد والغرائب والعجائب ، مما كان ، ومما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ ، انتهى . وكلامه هذا هو شعبة مما قد كررناه في هذا التفسير ونبهنا عليه في عدة مواضع ، وكنت أظن أنه لم ينبه على ذلك غيري ، فالحمد للّه على هذه الموافقة لمثل هذا الحافظ المنصف ، وقيل : انتهى أمرها إلى قولها : أسلمت ، ولا علم لأحد وراء ذلك لأنه لم يذكر في الكتاب ولا في خبر صحيح . وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أول من صنعت له الحمامات سليمان » وروي عنه مرفوعا من طريق أخرى رواها الطبراني ، وابن عدي في الكامل ، والبيهقي في الشعب بلفظ : أول من دخل الحمام سليمان ، فلما وجد حره قال : أوه من عذاب اللّه ، روي أن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، وانقضى ملك بلقيس بانقضاء ملك سليمان ، فسبحان من لا نقضاء لدوام ملكه . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً اللام هي الموطئة للقسم وهذه القصة من جملة بيان قوله : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ . وثمود هو أبو القبيلة التي منها خرج صالح ، فهو جده . والمراد به هنا نفس القبيلة وتسمى عادا الثانية . وأما عاد الأولى فهم قوم هود ، وتقدم أن بينهما مائة سنة ، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أن هي المفسرة أو المصدرية أي بأن اعبدوا اللّه ووحدوه .