صديق الحسيني القنوجي البخاري

133

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أي : وإن ما اشتمل عليه الكتاب من الكلام ، وتضمنه من القول مفتتح بالتسمية ، وفيه إشارة إلى سبب وصفها إياه بالكرم . قال ابن عباس : انطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها فقرىء عليها فإذا فيه . إنه من سليمان الخ . وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يكتب « باسمك اللهم » حتى نزلت هذه الآية فكان يكتب البسملة وبعدها السلام على من اتبع الهدى . أَنْ لا تَعْلُوا أي : أما بعد فلا تتكبروا عَلَيَّ كما تفعله جبابرة الملوك ، و ( أن ) هي المفسرة ، وقيل : مصدرية و ( لا ) ناهية ، وقيل نافية ، ومحل الجملة الرفع على أنها بدل من كتاب أو خبر مبتدأ محذوف : أي هو أن لا تعلوا وقرىء : لا تغلوا بالغين من الغلو وهو تجاوز الحد في الكبر . وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي : طائعين منقادين للدين مؤمنين بما جئت به ، وقيل : لم يزد سليمان على ما نص اللّه في كتابه وكذلك الأنبياء كانوا يكتبون جملا لا يطيلون ولا يكثرون . قيل : طبعه سليمان بالمسك أي جعل عليه قطعة منه كالشمع ، ثم ختمه بخاتمه . قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أي : أشيروا علي وبينوا لي الصواب في هذا الأمر واجيبوني بما يقتضيه الحزم وعبرت عن المشورة بالفتوى ، لكون ذلك حلا لما أشكل من الأمر عليها ، وفي الكلام حذف ؛ والتقدير : فلما قرأت بلقيس الكتاب ، جمعت أشراف قومها وكانوا ثلاثمائة واثني عشر ، لكل واحد منهم أتباع كثيرة وقالت لهم : يا أيها الملأ إني ألقي إلي ، يا أيها الملأ أفتوني وكرر ( قالت ) لمزيد العناية بما قالته لهم ، ثم زادت في التأدب ، واستجلاب خواطرهم ليمحضوها النصح ، ويشيروا عليها بالصواب ؛ فقالت : ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ أي : عادتي وشأني معكم ، أني ما كنت مبرمة وقاضية أمرا من الأمور حتى تحضروا عندي وتشيروا عليّ ؛ فلما قالت لهم ذلك قالُوا مجيبين لها : نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في العدد والعدة وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب واللقاء ؛ ولنا من الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا ؛ وبلدنا ، ومملكتنا ، يعني أشاروا عليها بالقتال ، ثم فوضوا الأمر إليها لعلمهم بصحة رأيها ، وقوة عقلها فقالوا : وَالْأَمْرُ موكول إِلَيْكِ أي إلى رأيك ونظرك فَانْظُرِي أي : تأملي ما ذا تَأْمُرِينَ إيانا به ، فنحن سامعون لأمرك مطيعون له . فلما سمعت تفويضهم الأمر إليها لم ترض بالحرب ، بل مالت للصلح ، وبينت السبب في رغبتها فيه و قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً من القرى .