صديق الحسيني القنوجي البخاري
131
فتح البيان في مقاصد القرآن
هو قادر على من فيهما ، عالم بجميع المعلومات ، وفي إخراج الخبء دليل على القدرة . قال الزجاج : جاء في التفسير أن الخبء ههنا بمعنى القطر من السماء ، والنبات من الأرض وقيل : خبء الأرض كنوزها ونباتها ، وقال قتادة : الخبء السر . قال النحاس : أي ما غاب فيهما ، وقرىء الخب بفتح الباء من غير همزة ، وقرىء الخبا بالألف . قال أبو حاتم : وهذا لا يجوز في العربية ورد عليه بأن سيبويه حكى عن العرب ، أن الألف تبدل من الهمز إذا كان قبلها ساكن . وقرىء : من السماوات ، قال الفراء : من وفي تتعاقبان . عن ابن عباس قال : يعلم كل خبيئة في السماء والأرض . وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ قرىء بالتحتية في الفعلين ، وبالفوقية للخطاب ، أما الأولى فلكون الضمائر المتقدمة ضمائر غيبة ، وأما الثانية فلكون القراءة فيها الأمر بالسجود ، والخطاب لهم بذلك ، فهذا من ذلك الخطاب . والمعنى أن اللّه سبحانه يخرج ما في هذا العالم الإنساني من الخفي بعلمه له ، كما يخرج ما خفي في السماء والأرض ، وفيه دليل على إثبات العلم ، والإعلان ذكره لتوسيع دائرة العلم للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى علمه تعالى ، ثم بعد ما وصف الرب سبحانه بما تقدم ، مما يدل على عظيم قدرته ، وجليل سلطانه ، وسعة علمه ، ووجوب توحيده ، وتخصيصه بالعبادة قال : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ بالجر نعتا للعرش ، وبالرفع نعتا للرب ، وخص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات ، كما ثبت ذلك في المرفوع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وأما عرش بلقيس فتعظيمه بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ، وهذا بالنسبة إلى جميع الموجودات من السماء والأرض ، وبينهما بون عظيم كما تقدم ، وإلى هنا كلام الهدهد ، لكنه من قوله : الذي يخرج إلى هنا ليس داخلا تحت قوله : أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [ النمل : 22 ] يعني ليس مما علمه الهدهد دون سليمان ، بل سليمان يعلمه أيضا على وجه أتم وأكمل من علم الهدهد ، وإنما ذكره الهدهد بيانا لما هو عليه معتقده ، وإظهارا لتصلبه في الدين . فلما فرغ الهدهد من كلامه قالَ له سليمان : سَنَنْظُرُ فيما أخبرتنا به من هذه القصة ، ونتعرف . والنظر والتأمل والتصفح : فيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار ، والكشف عن الحقائق ، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم ، واعتمادا عليهم ، إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه . أَ صَدَقْتَ فيما قلت ، والهمزة استفهامية . أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ أم هي المتصلة ، وهذا القول أبلغ من قوله أم كذبت