صديق الحسيني القنوجي البخاري

120

فتح البيان في مقاصد القرآن

وهذه القصة وما قبلها وما بعدها ، هي كالبيان والتقرير لقوله : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [ النمل : 6 ] فقال : وَلَقَدْ آتَيْنا أي أعطينا داوُدَ وَسُلَيْمانَ ابنه عِلْماً التنوين إما للنوع أي طائفة من العلم ، أو للتعظيم ، أي علما كثيرا ، قيل : المراد علم الدين والحكم ، وقيل : علم القضاء والسياسة ، وقيل : علم داود تسبيح الطير ، وعلم سليمان منطق الطير والدواب . وكان لداود تسعة عشر ولدا ، سليمان واحد منهم ، وعاش داود مائة سنة وبينه وبين موسى خمسمائة سنة وتسع وستون سنة ، وعاش سليمان نيفا وخمسين سنة ، وبينه وبين محمد صلّى اللّه عليه وسلم ألف سنة وسبعمائة سنة ذكره في التحبير . وَقالا أي كل منهما والواو للعطف على محذوف لأن هذا المقام مقام الفاء ، فالتقدير ولقد آتيناهما علما فعملا به ، وقالا شكرا للّه . الْحَمْدُ لِلَّهِ ويؤيده أن الشكر باللسان وإنما يحسن إذا كان مسبوقا بعمل القلب ، وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية الَّذِي فَضَّلَنا بالعلم والنبوة وتسخير الطير والجن والإنس والشياطين عَلى كَثِيرٍ ممن لم يؤت علما أو مثل علمنا ، وهذه المقالة على سبيل التحدث والشكر مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ولم يفضلوا أنفسهم على الكل تواضعا منهم . وظاهر النظم أن التسخير كان لكل من داود وسليمان ، ومثله في الخازن ، والخطيب وفي الآية دليل على شرف العلم ، وارتفاع محله ، وتقدم حملته وأهله وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم اللّه بها على عباده ، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد ؛ ومنح شرفا جليلا ، وما سماهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة ، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله ، وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة ، أن يحمدوا اللّه على ما أوتوه ، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم . وما أحسن قول عمر رضي اللّه عنه : كل الناس أفقه من عمر . وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب : إن اللّه لم ينعم على عبد نعمة فحمد اللّه عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب اللّه المنزل ، فقد قال اللّه عز وجل : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً إلى قوله : عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وأي نعمة أفضل مما أعطي داود وسليمان ؟ . أقول : ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه اللّه ، والذي تدل عليه أنهما حمدا اللّه سبحانه على ما فضلهما به من النعم فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته .