صديق الحسيني القنوجي البخاري

111

فتح البيان في مقاصد القرآن

يقول الشعر ، وكان عليّ أشعر من الثلاثة . وعن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر ويستنشده في المسجد فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده قصيدة فأنشده إياها ؛ وهي قريب من تسعين بيتا ، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها وكان حفظها من مرة واحدة . وروى البخاري عن أبي بن كعب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن من الشعر حكمة » « 1 » وقالت عائشة : الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح ، فخذ الحسن ودع القبيح ولآزاد البلجرامي رحمه اللّه في بيان حكم الشعر كلام لطيف في كتابه تسلية الفؤاد ، إن شئت فارجع إليه ، ثم ختم سبحانه هذه السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال : وَسَيَعْلَمُ وفيه تهديد شديد ؛ وتهويل عظيم ؛ وكذا في إطلاق الَّذِينَ ظَلَمُوا وإبهام أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ بعد الموت ، وخص بعضهم هذه الآية بالشعراء ؛ ولا وجه لذلك ، فإن الاعتبار بعموم اللفظ ، وقد تلاها أبو بكر لعمر حين عهد إليه ، وكان السلف يتواعظون بها . قال ابن عطاء سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا . والمعنى ينقلبون منقلبا أي منقلب ، والمراد جهنم . وقدم ( اي ) لتضمنه معنى الاستفهام . قال أبو البقاء : ولا يعمل فيه ( سيعلم ) لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، بل هو معلق عن العمل فيه وهذا الذي قاله مردود بأن أيا الواقعة صفة لا تكون استفهامية ، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة ، بل هما قسمان كل منهما قسم برأسه و ( أي ) تنقسم إلى أقسام كثيرة . قال النحاس وحقيقة القول في ذلك الاستفهام معنى ، وما قبله معنى آخر ، فلو عمل فيه ما قبلها لدخل بعض المعاني في بعض ، واللّه أعلم . وقال القرطبي : معناه أي مصير يصيرون ؟ وأي مرجع يرجعون ؟ لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير ، ومرجعهم إلى العذاب ، وهو شر مرجع . والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه ؛ والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها ، فصار كل مرجع منقلبا ، وليس كل منقلب مرجعا ذكره الماوردي . والمعنى عند الحسن وابن عباس أنّ الظالمين يطمعون في الانقلاب من عذاب اللّه ؛ والانفكاك منه ، ولا يقدرون على ذلك . وعن فضالة بن عبيد في الآية قال هؤلاء الذين يخربون البيت . والحمد للّه رب العالمين .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 90 ، وأبو داود في الأدب باب 87 ، والترمذي في الأدب باب 69 ، وابن ماجة في الأدب باب 41 ، والدارمي في الاستئذان باب 68 ، وأحمد في المسند 3 / 456 ، 5 / 125 .