صديق الحسيني القنوجي البخاري

109

فتح البيان في مقاصد القرآن

رواحة يا رسول اللّه قد علم اللّه أني منهم فأنزل اللّه إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله : يَنْقَلِبُونَ وروي نحو هذا من طرق . وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا كمن يهجو منهم من هجاه أو ينتصر لعالم أو فاضل ، كما كان يقع من شعراء النبي صلّى اللّه عليه وسلم فإنهم كانوا يهجوه من يهجون ، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه ، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم . ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل السنة ، وكافح أهل البدعة وزيف ما يقول شعراؤهم من مدح بدعتهم ، وهجو السنة المطهرة كما يقع ذلك كثيرا من شعراء الرافضة ونحوهم ، فإن الانتصار للحق بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة ، وفاعله من المجاهدين في سبيل اللّه المنتصرين لدين اللّه القائمين بما أمر اللّه بالقيام به . واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام فقد يبلغ ما لا خير فيه منه إلى قسم الحرام . وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب ، وقد وردت أحاديث في ذمه وذم الاستكثار منه ، ووردت أحاديث أخر في إباحته وتجويزه ، والكلام في تحقيق ذلك يطول . وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه ، وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن اللّه قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه ؟ فقال : « إن المؤمن يجاهد نفسه بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأن ما ترموهم به نضح النبل » « 1 » . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال : بينما نحن نسير مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا » « 2 » . وأخرج الديلمي مرفوعا عن ابن مسعود : الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم اللّه أن يقولوا شعرا يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة ، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « كإن من الشعر لحكمة » . قال : وأتاه قريظة بن كعب وعبد اللّه بن رواحة وحسان بن ثابت ، فقالوا : إنا

--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « أسرع فيهم من نضح النبل » أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في الأدب باب 70 ، والنسائي في المناسك باب 109 . ( 2 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الأدب باب 92 ، ومسلم في السفر حديث 7 - 9 ، وأبو داود في الأدب باب 87 ، والترمذي في الأدب باب 71 ، وابن ماجة في الأدب باب 42 ، والدارمي في الاستئذان باب 69 ، وأحمد في المسند 1 / 175 ، 177 ، 181 ، 2 / 39 ، 96 ، 288 ، 331 ، 335 ، 391 ، 378 ، 480 ، 3 / 8 ، 41 .