صديق الحسيني القنوجي البخاري
107
فتح البيان في مقاصد القرآن
أكاذيبهم المختلقة أو أكثرهم كاذبون فيما يلقونه من السمع أي المسموع من الشياطين ، إلى الناس ، أو هذه الجملة راجعة إلى الشياطين أي أكثر الشياطين كاذبون فيما يلقونه إلى الكهنة مما يسمعونه ، فإنهم يضمون إلى ذلك من عند أنفسهم كثيرا من الكذب ، وكان هذا قبل أن حجبت الشياطين عن السماء . وقد قيل : كيف يصح على الوجه الأول وصف الأفاكين بأن أكثرهم كاذبون ، بعدما وصفوا جميعا بالإفك ؟ وأجيب بأن المراد بالأفاك الذي يكثر الكذب ، لا الذي لا ينطق إلا بالكذب ، فالمراد بقوله : وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ أنه قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الشياطين ، والغرض الذي سيق لأجله هذا الكلام رد ما كان يزعمه المشركون من كون النبي صلّى اللّه عليه وسلم من جملة من يلقي إليه الشيطان السمع من الكهنة ؛ ببيان أن الأغلب على الكهنة الكذب ، ولم يظهر من أحوال محمد صلّى اللّه عليه وسلم إلا الصدق . فكيف يكون كما زعموا ؟ ثم إن هؤلاء الكهنة يعظمون الشياطين ، وهذا النبي المرسل من عند اللّه برسالته إلى الناس يذمهم ويلعنهم ، ويأمر بالتعوذ منهم . ثم لما كان قد قال قائل من المشركين : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم شاعر ، بيّن سبحانه حال الشعراء ومنافاة ما هم عليه لما عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ مشددا ومخففا أي : يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الْغاوُونَ أي الضالون عن الحق ، والشعراء جمع شاعر والغاوون جمع غاو ، وهم ضلال الجن والإنس ، قاله ابن عباس . وقيل الزائلون عن الحق ، وقيل : المشركون ، وقيل : الشياطين ، وقيل : الذين يروون الشعر المشتمل على الهجاء وما لا يجوز . وقيل : المراد شعراء الكفار خاصة منهم عبد اللّه بن الزبعرى السهمي ، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ، ومسافع بن عبد مناف ، وأبو عزة الجمحي ، وأمية بن أبي الصلت الثقفي ، تكلموا بالكذب والباطل ، وقالوا نحن نقول مثل ما يقول محمد ، وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ويروون عنهم قولهم . فذلك قوله تعالى هذا . قال الزجاج : إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون ، وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون ، والمعنى لا يتبعهم على كذبهم وباطلهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والطعن في الأحساب ، ومدح من لا يستحق المدح وذم من لا يستحق الذم . ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون . عن ابن عباس قال : تهاجى رجلان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أحدهما من الأنصار ، والآخر من قوم أخرين ، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء ، فأنزل اللّه هذه الآية ثم بيّن سبحانه قبائح شعراء الباطل فقال :