صديق الحسيني القنوجي البخاري
91
فتح البيان في مقاصد القرآن
عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا . قلت صدق رحمه اللّه فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب اللّه أو في سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاواهم ويمنعوا من جهالاتهم ، فإنهم أفتوا بغير علم من اللّه ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل : كبهيمة عمياء قاد زمامها * أعمى على عوج الطريق الحائر وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : عسى رجل يقول إن اللّه أمر بكذا أو نهى عن كذا ، فيقول اللّه عزّ وجلّ كذبت ، أو يقول إن اللّه حرم كذا أو أحل كذا فيقول اللّه له كذبت . لِتَفْتَرُوا اللام هي لام العاقبة لا لام الغرض ، أي فيتعقب ذلك افتراؤكم عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بالتحليل والتحريم وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه . إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي افتراء كان لا يُفْلِحُونَ بنوع من أنواع الفلاح والفوز بالمطلوب لا في الدنيا ولا في الآخرة بدليل ما بعده مَتاعٌ قَلِيلٌ قال الزجاج : متاعهم متاع قليل ، وقيل لهم متاع قليل وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يردون إليه في الآخرة . ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا أي على اليهود خاصة دون غيرهم حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ بقوله حرمنا عليهم كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما . الآية . مِنْ قَبْلُ متعلق بقصصنا أو بحرمنا . قال الحسن : يعني في سورة الأنعام ؛ وعن قتادة مثله وقال حيث يقول : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا - إلى قوله وَإِنَّا لَصادِقُونَ [ الأنعام : 146 ] وتحريم الشيء إما لضرر فيه وإما لبغي المحرم عليهم ، فقوله إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الخ ، إشارة للقسم الأول وهذا إشارة للقسم الثاني . وَما ظَلَمْناهُمْ بذلك التحريم بل جزيناهم ببغيهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث فعلوا أسباب ذلك فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم . ثم بيّن سبحانه أن الافتراء على اللّه سبحانه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 119 إلى 123 ] ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 123 )