صديق الحسيني القنوجي البخاري

83

فتح البيان في مقاصد القرآن

مراعاة معنى مَنْ ولو راعى لفظها لأفرد وقال فعليه غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة . عن ابن عباس قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وذكر آلهتهم بخير فتركوه ؛ فلما أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ما وراءك ؟ قال : شر ، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير ، قال : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنا بالإيمان ، قال « إن عادوا فعد » ، فنزلت إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ الخ . قال : فذاك عمار بن ياسر ، ولكن من شرح بالكفر صدرا عبد اللّه بن أبي سرح ، أخرجه البيهقي والحاكم « 1 » وصححه ، وفي الباب روايات مصرحة بأنها نزلت فيه . وعن محمد بن سيرين قال : نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة وعن ابن عباس قال : هو عبد اللّه بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأزله الشيطان فلحق بالكفار ، فأمر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقتل يوم فتح مكة ، فاستجار له عثمان بن عفان ، فأجاره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وعن الحسن وعكرمة مثله ، وليس بعد هذا الوعيد العظيم وهو الجمع للمرتدين بين غضب اللّه وعظيم عذابه وعيد . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 107 إلى 110 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 107 ) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 108 ) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 109 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) ذلِكَ أي الكفر بعد الإيمان أو الوعيد بالغضب والعذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا أي ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا الفانية عَلَى الْآخِرَةِ الباقية الدائمة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ في علمه إلى الإيمان به ولا يعصمهم من الزيغ . ثم وصفهم بقوله أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق ، وقد سبق تحقيق الطبع في أول البقرة ، ثم أثبت لهم صفة نقص غير الصفة المتقدمة فقال وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ عما يراد بهم من العذاب في الآخرة ، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه . لا جَرَمَ قد تقدم تحقيق الكلام في معناها أي حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ

--> ( 1 ) المستدرك كتاب التفسير 2 / 357 .