صديق الحسيني القنوجي البخاري
77
فتح البيان في مقاصد القرآن
روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك ، وقيل بالقناعة قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ، ووهب بن منبه ، وروي أيضا عن عليّ وابن عباس قال : وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو « اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف عليّ كل غائبة لي بخير » . وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن عمرو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللّه بما آتاه » « 1 » وأخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « قد أفلح من هدى إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به » « 2 » . وقيل بالكسب الطيب والعمل الصالح ، قاله ابن عباس ، وقيل بالتوفيق إلى الطاعة قاله الضحاك ، وقيل هي حياة الجنة ، روي هذا عن مجاهد وقتادة وغيرهما وحكي عن الحسن أنه قال : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة ، وقيل الحياة الطيبة هي السعادة ، روي ذلك عن ابن عباس ، وقيل هي المعرفة باللّه ، حكي ذلك عن جعفر الصادق رضي اللّه عنه . وقال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة ، وقال مقاتل : هي العيش في الطاعة وقيل رزق يوم بيوم . وقال السدي : إنما هي تحصل في القبر لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا وتعبها ، وقال سهل بن عبد اللّه التستري : هي أن ينزع عن العبد تدبير نفسه ويرد تدبيره إلى الحق ، وقيل هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق . وأكثر المفسرين على أن الحياة الطيبة هي في الدنيا لا في الآخرة ، لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وقد قدمنا قريبا تفسير الجزاء بالأحسن ووحد الضمير في فَلَنُحْيِيَنَّهُ وجمعه في لنجزينهم حملا على لفظ مَنْ وعلى معناه . ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية فقال فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح ، وقيل هذه الآية متصلة بقوله وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] والتقدير فإذا أخذت في قراءته فاستعذ باللّه .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 125 ، والترمذي في الزهد باب 35 ، وأحمد في المسند 2 / 168 ، 173 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 35 ، وابن ماجة في الزهد باب 4 ، وأحمد في المسند 6 / 19 .