صديق الحسيني القنوجي البخاري
72
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 91 إلى 93 ] وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 91 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 92 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 ) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ خص اللّه سبحانه الإيفاء من جملة المأمورات التي تضمنها قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وظاهرة العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره ، وخص هذا العهد المذكور في الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم اللّه سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود اللّه ، ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود لم يكن ذلك موجبا لقصره على السبب فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وفسره بعضهم باليمين وهو مدفوع بذكر الوفاء بالإيمان بعده حيث قال سبحانه : وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها أي بعد تشديدها وتغليظها وتوثيقها بزيادة الأسماء والصفات ، وقيل إن تأكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مرارا ، وحكى القرطبي عن ابن عمر أن التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه . وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالأيمان المؤكدة لا بغيرها مما لا تأكيد فيه فإن تحريم النقض يتناول الجميع ، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد منها ، يقال وكد وأكد توكيدا وتأكيدا وهما لغتان . وقال الزجاج : الأصل الواو والهمزة بدل منها ، وقيل ليست الهمزة بدلا من الواو كما زعمه أبو إسحاق لأن الاستعمالين في المادتين متساويان فليس ادعاء كون أحدهما أصلا أولى من الآخر وتبع مكي الزجاج في ذلك ثم قال ولا يحسن أن يقال الواو بدل من الهمزة ولذلك تبعه الزمخشري أيضا وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه » « 1 » حتى
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الأيمان حديث 11 - 13 ، والترمذي في النذور باب 6 والنسائي في الأيمان باب 15 ، 16 ، وابن ماجة في الكفارات باب 7 ، والدارمي في النذور باب 9 ، ومالك في النذور حديث 11 ، وأحمد في المسند 4 / 256 ، 378 ، 428 .