صديق الحسيني القنوجي البخاري

65

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقرأ ابن عباس وعكرمة من السلامة من الجراح ، وقرأ الباقون من الإسلام قال أبو عبيد : والاختيار قراءة العامة لأن ما أنعم اللّه به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح ، وقيل الخطاب لأهل مكة أي لعلكم يا أهل مكة تخلصون للّه الربوبية والحمل على العموم أولى وافرد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر . فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا ما جئت به فقد تمهد عذرك وفيه التفات وجواب الشرط محذوف أي فلا لوم عليك وهذا تسلية له صلى اللّه عليه وآله وسلم والتعبير بالتولي إشارة إلى أن الأصل فطرة الإسلام وخلافها عارض متجدد والمعنى إن داموا على التولي لظهور توليهم . فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ لما أرسلت به إليهم وقد فعلت بذلك بهم الْمُبِينُ أي الواضح وليس عليك غير ذلك وصرف الخطاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تسلية له ، وهذا قبل الأمر بالقتال فتكون الآية منسوخة الحكم وهو لا يظهر إلا لو قدر جواب الشرط فأعرض عنهم ولا تقاتلهم مع أن أكثر المفسرين قدروه بقولهم فلا عتب عليك ولا مؤاخذة في عدم إيمانهم لأنك بلغت ما أمرت بتبليغه وهدايتهم من اللّه لا إليك ، وهذا لا ينافي أن يكون مأمورا بقتالهم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 83 إلى 87 ] يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 ) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ( 86 ) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 87 ) ثم استأنف لبيان توليهم فقال : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ التي عدّدها في هذه السورة ويعترفون بأنها من عند اللّه سبحانه ثُمَّ يُنْكِرُونَها بما يقع عنهم من أفعالهم القبيحة من عبادة غير اللّه وبأقوالهم الباطلة حيث يقولون هي من اللّه ولكنها بشفاعة الأصنام وحيث يقولون إنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم وأيضا لكونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة الرب سبحانه وفي وجوه الخير التي أمرهم اللّه بصرفها فيها ، وقيل نعمة اللّه نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يعرفونه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم ينكرون نبوته . وقيل هي الإسلام وجيء بثم للدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن من عرف النعمة حقه أن يعترف لا أن ينكر وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ باللّه أو الجاحدون لنعم اللّه . وعبر هنا بالأكثر عن الكل لأنه قد يذكر الأكثر ويراد به الجميع وإليه أشار في