صديق الحسيني القنوجي البخاري
61
فتح البيان في مقاصد القرآن
من العباد فيهما ، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن العباد ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما ، والمراد التوبيخ للمشركين والتقريع لهم ، أي أن العبادة إنما يستحقها من كانت هذه صفته لا من كان جاهلا عاجزا لا يضر ولا ينفع ولا يعلم بشيء من أنواع العلم . وَما أَمْرُ السَّاعَةِ التي هي أعظم ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به سبحانه ، وهو إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين وتبديل صور الأكوان أجمعين ، أو المعنى ما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أي كرجع طرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، وإنما ضرب به المثل لأنه لا يعرف زمان أقل منه ، واللمح النظر بسرعة ولا بدّ فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة ولذا قال . أَوْ هُوَ أي بل أمرها أَقْرَبُ منه بأن يكون من زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذي تبتدأ فيه ، فإن اللّه تعالى يحيي الخلق دفعة ، وما يوجد دفعة كان في آن جزء غير منقسم . وليس هذا من قبيل المبالغة بل هو كلام في غاية الصدق ، لأن مدة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية ، ومنها إلى الأبد غير متناه ، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أو يقال إن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت في القرب كلمح البصر وقال الزجاج : لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر ، وإنما وصف سرعة القدرة على الاتيان بها لأنه يقول للشيء كن فيكون . وقيل المعنى هي عند اللّه كذلك وإن لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة ، ومثله قوله سبحانه : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً [ المعارج : 6 ، 7 ] ولفظ أَوْ ليس لشك بل للتمثيل أو للتخيير ، وقيل دخلت لشك المخاطب ، وقيل هي بمنزلة بل إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومجيء الساعة بسرعة من جملة مقدوراته . ثم إنه سبحانه ذكر حال أخرى للإنسان دالّة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً معطوف على قوله وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ النحل : 72 ] منتظم معه في سلك أدلة التوحيد أي أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشيء ولا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق وقيل مما قضى به عليكم من السعادة والشقاوة ، وقيل شيئا من منافعكم والأولى التعميم لتشمل الآية هذه الأمور وغيرها اعتبارا بعموم اللفظ فإن شيئا نكرة واقعة في سياق النفي . وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي ركب فيكم هذه الأشياء وليس فيه