صديق الحسيني القنوجي البخاري

54

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال على أرذل العمر خمس وسبعون سنة وقيل ثمانون وقيل تسعون سنة قاله قتادة ومثل هذه الآية قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 4 ، 5 ] وعن السدي قال : هو الخرف ، وعن عكرمة قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ؛ وعن طاووس العالم : لا يخرف وقد ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصحيح وغيره أنه كان يتعوذ باللّه أن يرد إلى أرذل العمر « 1 » . ثم علّل سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله : لِكَيْ لا اللام لام التعليل وكي حرف مصدر ونصب ولا نافية ، وقيل اللام هنا للصيرورة والعاقبة يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ كان حصل له شَيْئاً منه لا كثيرا ولا قليلا أو شيئا من المعلومات إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم ، وقيل المراد بالعلم هنا العقل ؛ وقيل المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك ، وقيل لكي يصير كالصبي الذي لا عقل له . وقال الزجاج : المعنى وإن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا فيصير بعد أن كان عالما جاهلا ليريكم اللّه من قدرته أنه كما قدر على إماتته واحيائه قادر على نقله من العلم إلى الجهل وأنه قادر على احيائه بعد إماتته فيكون ذلك دليلا على صحة البعث بعد الموت . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل أو إلى الإفناء من الإحياء قَدِيرٌ على تبديل ما يشاء من الأشياء وعلى ما يريد . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 71 إلى 72 ] وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) ثم لما بيّن سبحانه خلق الإنسان وتقلبه في أطوار العمر ذكر طرفا من أحواله لعله يتذكر عند ذلك فقال : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك ، أي فجعلكم متفاوتين فيه فوسع على بعض عباده وبسط حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفا مؤلفة من بني آدم ، وضيقه على بعض عباده وقتر حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم ، وكثّر لواحد وقلّل على واحد ، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها . وكما جعل التفاوت بين عباده في المال جعله بينهم في العقل والعلم والفهم

--> ( 1 ) لفظ الحديث : « وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر » ، أخرجه البخاري في الجهاد باب 25 ، وتفسير سورة 16 ، باب 1 ، والدعوات باب 41 ، 42 ، 44 ، 57 ، ومسلم في الذكر حديث 52 ، والنسائي في الاستعاذة باب 5 ، 6 ، 27 ، وأحمد في المسند 1 / 54 ، 183 ، 186 .