صديق الحسيني القنوجي البخاري
41
فتح البيان في مقاصد القرآن
إنها لام الصيرورة ، أي صار أمرهم إلى ذلك ، وقيل إنها لام الأمر وإليه نحا الزمخشري . وقيل إنها لام العاقبة ، أي فعاقبة إشراكهم باللّه غيره كفرهم بِما آتَيْناهُمْ من نعمة وهي كشف الضر عنهم حتى كأن هذا الكفر منهم الواقع في موضع الشكر الواجب عليهم غرض لهم ومقصد من مقاصدهم ، وهذا غاية في العتو والعناد ليس وراءها غاية . ثم قال سبحانه على التهديد والترهيب ملتفتا من الغيبة إلى الخطاب : فَتَمَتَّعُوا بما أنتم فيه من ذلك فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة أمركم وما يحل بكم في هذه الدار وما تصيرون إليه في الدار الآخرة . قال الحسن هذا وعيد . ثم حكى سبحانه نوعا آخر من قبائح أعمالهم فقال : وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ أي يقع منهم هذا الجعل بعدما وقع منهم الجؤار إلى اللّه سبحانه في كشف الضر عنهم وما تعقب كشفه عنهم من الكفر منهم باللّه والاشراك به ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات والشياطين نصيبا من أموالهم يتقربون به إليه . وقيل المعنى إنهم أي الكفار يجعلون للأصنام وهم لا يعلمون شيئا لكونهم جمادات ، وأجراها مجرى العقلاء جريا على اعتقاد الكفار فيها ، وحاصل المعنى ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعقل شيئا نصيبا من أموالهم التي رزقهم اللّه إياها . قال مجاهد : يعلمون أن اللّه خلقهم ويضرهم وينفعهم ، ثم يعجلون لما لا يعلمون إنه يضرهم وينفعهم نصيبا مما رزقناهم . وقال قتادة : هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم مما رزقهم اللّه وجزؤوا من أموالهم جزءا فجعلوه لهم ، وعن السدي قال : هو قولهم هذا للّه بزعمهم وهذا لشركائنا . تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ أقسم بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة ، وهذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب ، وهو من بديع الكلام وبليغه ، وهذا السؤال سؤال تقريع وتوبيخ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ أي تختلقونه من الكذب على اللّه سبحانه في الدنيا . وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ هذا نوع آخر من فضائحهم وقبائحهم ، وقد كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات اللّه ، فنزه سُبْحانَهُ نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة ولا أفهام مستقيمة . قال ابن عباس : يقول تجعلون لي البنات ترتضونهن لي ولا ترتضونهن لأنفسكم ، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هوان أو دسها في التراب وهي حية ، إن هم إلا الأنعام بل هم أضل ، وفي هذا التنزيه تعجيب من حالهم وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ أي