صديق الحسيني القنوجي البخاري
4
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل إن المراد بالأمر حكمه بذلك وقد وقع وأتى ، فأما المحكوم به فإنه لم يقع لأنه سبحانه حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود وقيل المراد بإتيانه إتيان مباديه ومقدماته ، وقال الضحاك : يعني الأحكام والحدود والفراض . فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ أي فلا تطلبوا حضوره قبل ذلك الوقت فإنه واقع لا محالة ولا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه ، وقد كان المشركون يستعجلون العذاب كما قال النضر بن الحرث : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 32 ] الآية . والمعنى قرب أمر اللّه فلا تستعجلوه وقوعا ، وقد كان استعجالهم على طريقة الاستهزاء من دون استعجال على الحقيقة ، وفي نهيهم عن الاستعجال تهكم بهم . سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزه اللّه وترفع عن إشراكهم أو عن أن يكون له شريك ، وشركهم ههنا هو ما وقع منهم من استعجال العذاب وقيام الساعة استهزاء وتكذيبا ، فإنه يتضمن وصفهم له سبحانه بأنه لا يقدر على ذلك وإنه عاجز عنه ، والعجز وعدم القدرة من صفات المخلوق لا من صفات الخالق فكان ذلك شركا . وهذه الجملة تنازع فيها العاملان ، وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة تحقيرا لشأنهم وحطا لدرجتهم عن رتبة الخطاب ، وفي قراءة سبعية بالتاء وما مصدرية فلا عائد لها عند الجمهور أو موصولة كما قاله السمين ، أي عما يشركونه به و ( ما ) عبارة عن الأصنام . يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ قرىء بالياء التحتية والفاعل هو اللّه سبحانه ، وقرىء تنزل من التفعل والأصل تتنزل ، فالفعل مستند إلى الملائكة ، وقرىء تنزل على البناء للمفعول وننزل بالنون ، والمراد بالملائكة هنا جبريل ، وعبر عنه بالجمع تعظيما له بِالرُّوحِ هو الوحي قاله ابن عباس ، ومثله يلقي الروح من أمره ، وسمي الوحي روحا لأنه يحيي قلوب المؤمنين ، فإن من جملة الوحي القرآن ، وهو نازل من الدين منزلة الروح من الجسد ، وبه قال الحسن . فالتعبير بالروح عن الوحي على طريق الاستعارة التصريحية بجامع أن الروح به إحياء البدن والوحي به إحياء القلوب من الجهالات . وقيل المراد أرواح الخلائق وقيل الرحمة وقيل الهداية لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح قال الزجاج : الروح ما كان فيه من اللّه حياة بالارشاد إلى أمره . وقال أبو عبيدة : الروح هنا جبريل ، ويكون الباء على هذا بمعنى مع .
--> - في الجمعة حديث 43 ، والفتن حديث 132 - 135 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، والفتن باب 25 ، والدارمي في الرقاق باب 46 ، وأحمد في المسند 4 / 309 ، 5 / 92 ، 103 ، 108 .