صديق الحسيني القنوجي البخاري
39
فتح البيان في مقاصد القرآن
فقال : فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي إن كنتم راهبين شيئا فإيّاي فارهبون لا غيري فالتركيب أفاد الحصر ، وقيل التقدير إياي ارهبوا فارهبون وقدره ابن عطية : ارهبوا إياي فارهبون . قال الشيخ : وهو ذهول عن القاعدة النحوية وقد يجاب عنه والرهب مخافة مع حزن واضطراب وقد مر هذا في أول البقرة . ثم لما قرر سبحانه وحدانيته وأنه الذي يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل في ملكه وتحت تصرفه فقال : وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا والجملة مقررة لما تقدم في قوله وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الخ . . . وتقديم الخبر لإفادة الاختصاص والتفت فيه من التكلم إلى الغيبة والجملة معطوفة على قوله إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أو على الخبر أو مستأنف . وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي ثابتا واجبا دائما لا يزول والدين هو الطاعة والاخلاص ، قال الفراء : واصبا معناه دائما . وروي عنه أيضا الواصب الخالص والأول أولى ومنه قوله سبحانه وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ [ الصافات : 9 ] أي دائم . وقال الزجاج : أي طاعته واجبة أبدا ففسر الواصب بالواجب ، وقال ابن قتيبة في تفسير الواصب : أي ليس أحد يطاع إلا انقطع ذلك بزوال أو بهلكة غير اللّه تعالى فإن الطاعة تدوم له ففسر الواصب بالدائم وإذا دام الشيء دواما لا ينقطع فقد وجب وثبت ، يقال وصب الشيء يصب وصوبا فهو واصب إذا دام ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه . وقيل الوصب التعب والإعياء أي حب طاعة اللّه سبحانه وإن تعب العبد فيها وهو غير مناسب لما في الآية ، قال مجاهد الدين الاخلاص وواصبا دائما ، وقال أبو صالح : يعني لا إله إلا اللّه . وعن ابن عباس : دائما واجبا ، وفي البيضاوي : واصبا لازما ، وقال الشهاب : الوصب ورد في كلامهم بمعنى اللزوم والدوام ، وفي القاموس وصب يصب دام وثبت كأوصب وعلى الأمر واظب وأحسن القيام عليه ، وفي المصباح وصب الشيء وصوبا دام ووصب الدين وجب . والاستفهام في قوله : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ للتقريع والتوبيخ أو للتعجب والانكار والفاء للتعقيب ، والمعنى إذا كان الدين أي الطاعة واجبا له دائما لا ينقطع كان المناسب لذلك تخصيص التقوى به وعدم إيقاعها لغيره فكيف يعقل أن يكون للانسان رغبة أو رهبة في غير اللّه . ثم امتن سبحانه عليهم بأن جميع ما هم متقلبون فيه من النعم هو منه لا من غيره فقال : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فهي منه سبحانه ، والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل