صديق الحسيني القنوجي البخاري
35
فتح البيان في مقاصد القرآن
عند عمر فلقي أعرابيا فقال : يا فلان ما فعل ربك ؟ قال قد تخيفته يعني تنقصته ، فرجع إلى عمر فأخبره فقال قد رأيته ذلك . وعبارة البيضاوي روي أن عمر قال على المنبر : ما تقولون فيها ؟ فسكتوا ، فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا التخوف التنقص ، فقال : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ فقال : نعم ، قال شاعرنا أبو بكر يصف ناقته : تخوف الرحل منها تامكا قردا * كما تخوف عود النبعة السفن « 1 » فقال عمر : عليكم بديوانكم لا تضلوا ، قالوا : وما ديواننا . قال شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم اه . قال الشهاب : الرحل رحل الناقة والتامك السنام المشرف والقرد هو المرتفع أو المتراكم ، والنبع شجر يتخذ منه القسيّ ، والسفن هنا المبرد والقدوم يصف ناقته بأنها أثر الرحل في سنامها ، فأكله وانتقصه كما ينتقص المبرد العود . انتهى . وعن مجاهد قال : على تخوف يأخذهم بنقص بعضهم بعضا وقال الضحاك والكلبي : هو من الخوف يعني يهلك طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم ما أصابهم ؛ والحاصل أنه سبحانه خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء ، أو بآفات تحدث دفعة ، أو بآفات تحدث قليلا قليلا إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم . ثم إنه سبحانه ختم الآية بقوله : فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لا يعاجل بالعذاب بل يمهل رأفة بكم ورحمة لكم مع استحقاقكم للعقوبة . ثم لما خوف سبحانه الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير العالم العلوي والسفلي ومكانهما مصدرا بالاستفهام الانكاري فقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا بالتحتية بإرجاع الضمير إلى ماكري السيئات وقرىء بالفوقية على أنه خطاب لجميع الناس وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى لأن المراد منها الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا بنفس الرؤية التي يكون معها النظر إلى الشيء ليتأمل أحواله ويتفكر فيه ويعتبر به .
--> ( 1 ) يروى صدر البيت : تخوّف السير منها تامكا قردا والبيت من البسيط ، وهو لابن مقبل في ملحق ديوانه ص 405 ، ولسان العرب ( خوف ) ، وتهذيب اللغة 7 / 597 ، 13 / 4 ، ولذي الرمة في ملحق ديوانه ص 1917 ، ولسان العرب ( سفن ) ، ولذي الرمة أو لابن مقبل في تاج العروس ( سفن ) ، ولزهير في أساس البلاغة ( خوف ) ، وليس في ديوانه ولعبد اللّه بن عجلان النهدي في تاج العروس ( حوف ) ، ولقعنب ابن أم صاحب في سمط اللآلىء ص 738 ، وبلا نسبة في المخصص 13 / 277 ، وتاج العروس ( خوف ) ، وأمالي القالي 2 / 112 .