صديق الحسيني القنوجي البخاري

32

فتح البيان في مقاصد القرآن

عن سعيد بن جبير قال : نزلت في عبد اللّه بن سلام ونفر من أهل التوراة ، وقد استدل مجوزو التقليد بهذه الآية وقالوا أمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من له علم والجواب أن هذه الآية الشريفة واردة في سؤال خاص خارج عن محل النزاع كما يفيده السياق المذكور قبل هذا اللفظ الذي استدلوا به وبعده ، وبه قال ابن جرير والبغوي وأكثر المفسرين ، واستوفاه السيوطي في الدر المنثور ، وهذا هو المعنى الذي يفيده السياق والسباق . وعلى فرض أن المراد السؤال العام فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذكر ، والذكر هو كتاب اللّه وسنة رسوله لا غيرهما ، ولا أظن مخالفا يخالف في هذا لأن هذه الشريعة المطهرة هي إما من اللّه عز وجل وذلك هو القرآن الكريم أو من رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك هو السنة المطهرة ولا ثالث لذلك . وإذا كان المأمور بسؤالهم هم أهل القرآن والحديث فالآية الكريمة حجة على المقلدة لا لهم ، لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر فيخبرونهم به ، فالجواب من المسؤولين أن يقولوا قال اللّه كذا وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كذا فيعمل السائلون بذلك ، وهذا هو غير ما يريده المقلد المستدل بها فإنه إنما استدل بها على جواز ما هو فيه من الأخذ بأقوال الرجال من دون سؤال عن الدليل فإن هذا هو التقليد ولهذا رسموه بأنه قبول قول الغير من دون مطالبة بحجة . فحاصل التقليد أن المقلد لا يسأل عن كتاب اللّه ولا عن سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بل يسأل عن مذهب إمامه فقط فإذا جاوز ذلك إلى السؤال عن الكتاب والسنة فليس بمقلد ، وهذا يسلمه كل مقلد ولا ينكره . وإذا تقرر أن المقلد إذا سأل أهل الذكر عن كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن مقلدا علمت أن هذه الآية الشريفة على تسليم أن السؤال ليس عن الشيء الخاص الذي يدل عليه السياق ، بل عن كل شيء من الشريعة كما يزعمه المقلد تدفع في وجهه وترغم أنفه وتكسر ظهره ، فإن معنى هذا السؤال الذي شرعه اللّه تعالى هو السؤال عن الحجة الشرعية وطلبها من العالم فيكون هو راويا وهذا السائل مسترويا ، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم ولا يطالبه بالحجة ، فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد . وبهذا ظهر لك أن هذه الحجة التي احتج بها المقلد هي حجة داحضة على فرض أن المراد المعنى الخاص وهي عليه لا له على فرض أن المراد المعنى العام . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 44 إلى 48 ] بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 46 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 47 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 )