صديق الحسيني القنوجي البخاري

31

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليه وآله وسلم لما ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ثم بوّأهم اللّه المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين . لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قيل المراد نزولهم المدينة قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة ، وقيل المراد الرزق الحسن قاله مجاهد ، وقيل النصر على عدوّهم ، قاله الضحاك ، وقيل ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات ، وقيل ما بقي لهم فيها من الثناء وصار لأولادهم من الشرف ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور والمعنى لنبوّأنهم مباءة حسنة أو تبوئه حسنة فحسنة صفة مصدر محذوف . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي جزاء أعمالهم الكائن في الآخرة وهو النعيم الكائن في الجنة التي هي المراد بالآخرة أَكْبَرُ وأعظم من أن يعلمه أحد من خلق اللّه قبل أن يشاهده ومنه قوله تعالى وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] لَوْ كانُوا أي هؤلاء الظلمة يَعْلَمُونَ ذلك ، وقيل إن الضمير راجع إلى المؤمنين المهاجرين أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا وهو اسكانهم المدينة . الَّذِينَ صَبَرُوا على أذى المشركين أو على مفارقة الوطن والهجرة أو على الجهاد وبذل الأنفس والأموال في سبيل اللّه واللفظ أعم من ذلك وَعَلى رَبِّهِمْ وحده خاصة يَتَوَكَّلُونَ في جميع أمورهم معرضين عما سواه والصبر مبدأ السلوك إلى اللّه تعالى والتوكل هو آخر الطريق ومنتهاه والظاهر واللّه أعلم أن المعنى على المضيّ والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة ، وفيه ترغيب لغيرهم في طاعة اللّه عز وجل وجواب الموصول محذوف أي فيرزقهم من حيث لا يحتسبون . وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رد على قريش حيث زعموا أن اللّه سبحانه أجل من أن يرسل رسولا من البشر فرد اللّه عليهم بأن هذه عادته وسنته أن لا يرسل إِلَّا رِجالًا من البشر نُوحِي إِلَيْهِمْ وزعم أبو عليّ الجبائي أن معنى الآية أن اللّه سبحانه لم يرسل إلى الأنبياء بوحيه إلا من هو على صورة الرجال من الملائكة ويرد عليه أن جبريل كان يأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على صورة مختلفة . ولما كان كفار مكة مقرّين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل اللّه في التوراة والإنجيل صرف الخطاب إليهم وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب فقال : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي فاسألوا أيها المشركون إن شككتم فيما ذكر مؤمني أهل الكتاب فإنهم سيخبرونكم بأن جميع الأنبياء كانوا بشرا أو اسألوا أهل الكتاب من غير تقييد بمؤمنيهم كما يفيده الظاهر فإنهم كانوا يعترفون بذلك ولا يكتمونه ، وقيل المعنى فاسألوا أهل القرآن .