صديق الحسيني القنوجي البخاري

24

فتح البيان في مقاصد القرآن

فلما قالوا هذا أجاب عليهم أهل العلم بقولهم : بَلى كنتم تعملون السوء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما أي بالذي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيجازيكم عليه ولا ينفعكم هذا الكذب شيئا . وقال عكرمة عنى بذلك ما حصل من الكفار يوم بدر . فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ يقال لهم ذلك عند الموت وقد تقدم ذكر الأبواب وإن جهنم درجات بعضها فوق بعض ، أي ليدخل كل صنف إلى الطبقة التي هو موعود بها ، وإنما قيل لهم ذلك لأنه أعظم في الخزي والغم ، وفيه دليل على أن الكفار بعضهم أشد عذابا من بعض . خالِدِينَ فِيها حال مقدرة لأن خلودهم مستقبل فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ هي فالمخصوص بالذم محذوف ، والمراد بتكبرهم هنا هو تكبرهم عن الإيمان والعبادة كما في قوله : إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا اللّه يستكبرون . ثم اتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء فقال : وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا وهم المؤمنون ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً أي أنزل خيرا ، ورفع الأول ونصب هذا فرقا بين جواب المقر وجواب الجاحد لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ قيل هذا من كلام اللّه عز وجل ، وقيل هو حكاية لكلام الذين اتقوا فيكون هذا بدلا من خير . قاله الزمخشري . وعلى الأول يكون كلاما مستأنفا مسوقا لمدح المتقين . والمعنى للذين أحسنوا أعمالهم بالإيمان في الدنيا مثوبة حسنة مضاعفة من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة . وقال قتادة : أحسنوا أي آمنوا باللّه وكتبه ورسله ، وأمروا بطاعة اللّه وحثوا عباد اللّه على الخير ودعوهم إليه . قال الضحاك : هي النصر والفتح ، وقال مجاهد : هي الرزق الحسن . وقيل الحياة الطيبة وهي استحقاق المدح والثناء أو فتح أبواب المشاهدات والمكاشفات . قاله الكرخي . وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي مثوبتها وهي الجنة خَيْرٌ مما أوتوا في الدنيا وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لدلالة ما قبله عليه . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 31 إلى 34 ] جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 32 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 33 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 34 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ أي بساتين إقامة من عدن بالمكان إذا أقام به . قيل يجوز أن يكون