صديق الحسيني القنوجي البخاري
23
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم بيّن سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا فقال : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ أي الكفار بإدخالهم النار ويفضحهم بذلك ويذلهم ويهينهم عطف على مقدر ، أي هذا عذابهم في الدنيا ثم يوم القيامة يخزيهم وَيَقُولُ اللّه لهم مع ذلك توبيخا وتقريعا أَيْنَ شُرَكائِيَ كما تزعمون وتدعون . ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله : الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ قرأ نافع بكسر النون على الإضافة والباقون بفتحها أي تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فِيهِمْ والمعنى على قراءة الكسر تخاصمونني وتعادونني وتخالفونني ، وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة والمشاقة عبارة عن كون كل واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه والمعنى ما لهم لا يحضرون معكم ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم . قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهم في الموقف قيل هم العلماء قالوا لأممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إلى وعظهم وكان هذا القول منهم على طريق الشماتة وقيل هم الأنبياء ، وقيل الملائكة والظاهر الأول لأن ذكرهم بوصف العلم يفيد وصف يذكرون به هو أشرف من هذا الوصف وهو كونهم أنبياء أو كونهم ملائكة ولا يقدح في هذا جواز الاطلاق لأن المراد الاستدلال على الظهور فقط . إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ أي الذل والهوان والفضيحة يوم القيامة وَالسُّوءَ أي العذاب عَلَى الْكافِرِينَ مختص بهم يقولونه شماتة بهم . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ بالتاء والياء وهما سبعيتان لكنه مع الياء يقرأ بالإمالة في الموضعين والتذكير على أن الملائكة ذكور والتأنيث لأن لفظ الجمع مؤنث الْمَلائِكَةُ وهم ملك الموت عزرائيل وأعوانه ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالكفر وقد تقدم تفسيره . فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي أقروا بالربوبية وانقادوا عند الموت ومعناه الاستسلام قاله قطرب ، وقيل معناه المسألة أي سالموا وتركوا المشاقة قاله الأخفش ، وقيل معناه الإسلام أي أقروا بالإسلام وتركوا ما كانوا فيه من الكفر ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ تفسير للسّلم على أن يكون المراد بالسلم الكلام الدال عليه . ويجوز أن يكون المراد بالسوء هنا الشرك ويكون هذا القول منهم على وجه الجحود والكذب أو من شدة الخوف ومن لم يجوّز الكذب على أهل القيامة حمله على أنهم أرادوا أنهم لم يعملوا سوءا في اعتقادهم وعلى حسب ظنونهم ، ومثله قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] .