صديق الحسيني القنوجي البخاري
21
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ أي ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم لأن « من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها » « 1 » كما ورد في الحديث وقيل من للجنس لا للتبعيض أي يحملون كل أوزار الذين يضلونهم قاله الواحدي . بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من الفاعل والمعنى أن الرؤوساء يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام ، وقيل إنه حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال قاله الزمخشري وعليه جرى القاضي وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين الحق والباطل ولا يقنعوا بالتقليد البحث العمي . ورجح الأول بأنه من المحدث عنه والمسند إليه الاضلال على جهة الفاعلية والمعنى أنهم يقدمون على الاضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد في مقابلته ومثل هذه الآية قوله : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ العنكبوت : 13 ] وقوله : وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [ العنكبوت : 12 ] . وقد تقدم في الأنعام الكلام على قوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] فمعناه وزرا لا مدخل لها فيه ولا تعلق له بها بتسبب ولا غيره ، قال ابن عباس : يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم ، وعن مجاهد نحوه وزاد لا يخفف ذلك عمن أطاعكم من العذاب شيئا . أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي بئس شيئا يزرونه ويحملونه ، وفي ذلك وعيد وتهديد لهم ، ثم حكى سبحانه حال أضرابهم من المتقدمين فقال : قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ ابن كنعان حيث بني بناء عظيما ببابل طوله في السماء خمسة آلاف ذراع ؛ وقيل فرسخان ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب اللّه الريح فخرّ ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا ، وكان أعظم أهل الأرض تجبرا في زمن إبراهيم عليه السلام ونمروذ بضم النون والذال المعجمة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة . والأولى أن الآية عامة في جميع المبطلين الماكرين الذين يحاولون إلحاق الضر بالمحقين المؤمنين ، ومعنى المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق ، وفي هذا وعيد للكفار المعاصرين له صلّى اللّه عليه وسلّم بأن مكرهم سيعود عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم . فَأَتَى اللَّهُ أي أتى أمر اللّه وهو الريح التي أخربت بُنْيانَهُمْ قال المفسرون
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في العلم ، حديث 15 ، والزكاة حديث 69 ، والنسائي في الزكاة باب 64 ، وابن ماجة في المقدمة باب 14 ، وأحمد في المسند 4 / 357 ، 359 ، 360 ، 361 .