صديق الحسيني القنوجي البخاري
17
فتح البيان في مقاصد القرآن
الأوثان التي تعبد من دون اللّه تخلق ولا تخلق شيئا ، ولا تملك لأهلها ضرا ولا نفعا . ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ولو اجتهدتم في ذلك واتعبتم نفوسكم لا تقدرون عليه فضلا عن أن تطيقوا القيام بحقها من إداء الشكر وهذا تذكير إجمالي بنعمه تعالى ، وقد مر تفسير هذا في سورة إبراهيم . قال العقلاء : إن كل جزء من اجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل ، فهو سبحانه يدبر بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له ، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك ، فكيف يطيق حصر نعم اللّه عليه أو يقدر على احصائها أو يتمكن من شكر أدناها . يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظم نعمك معترفة بالعجز عن تأدية الشكر لشيء منها لا تحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، ولا نطيق التعبير بالشكر لك ، فتجاوز عنا واغفر لنا واسبل ذيول سترك على عوراتنا فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرد التقصير في شكر نعمك فكيف بما قد فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك وانتهاء عن مناهيك ، وما أحسن ما قال من قال : العفو يرجى من بني آدم * فكيف لا يرجى من الرب وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال : إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه والقصور عن احصائها والعجز عن القيام بأدناها . ومن رحمته ادامتها عليكم وادرارها في كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تتحركون بها اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك وسيشكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان ، فلقد خصصتني بنعم لم أرها على كثير من خلقك من إنسان وحيوان وإن رأيت منها شيئا على بعض خلقك لم أر عليه بقيتها فأنى أطيق شكرك وكيف أستطيع تأدية أدنى شكر أدناها فكيف أستطيع أعلاها ، فكيف أستطيع شكر نوع من أنواعها . ثم بيّن لعباده أنه عالم بجميع ما يصدر منهم لا يخفى عليه خافية فقال : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ أي ما تضمرونه من العقائد والأعمال وَما تُعْلِنُونَ أي وما تظهرونه منها ، وحذف العائد لمراعاة الفواصل ، أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم ، وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ وتنبيه على أن الإله يجب أن يكون عالما بالسر والعلانية لا كالأصنام التي تعبدونها فإنها جمادات لا شعور لها بشيء من الظواهر فضلا عن الضمائر والسرائر فكيف تعبدونها ، وقراءة التحتية شاذة فيهما كما نبه عليه السمين .