صديق الحسيني القنوجي البخاري
143
فتح البيان في مقاصد القرآن
عن علم منه بمن هو أعلى رتبة وبمن هو دونه وبمن هو يستحق مزيد الخصوصية بتكثير فضائله وفواضله ، أي فيخصهم بما شاء على قدر أحوالهم ، قيل يعني بالفضائل النفسانية والتبري عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال والأتباع حتى داود عليه السلام فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب كما يأتي لا بما أوتيه من الملك . وقيل هو إشارة إلى تفضيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد تقدم هذا في البقرة ، وقد اتخذ اللّه إبراهيم خليلا وموسى كليما وجعل عيسى كلمته وروحه ؛ وجعل سليمان على نبينا وعليهم الصلوات والتسليمات ملكا عظيما . وغفر لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وجعله سيد ولد آدم . وفي هذه الآية دفع لما كان ينكره الكفار مما يحكيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ارتفاع درجته عند ربه عز وجل . ثم ذكر ما فضل به داود فقال وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً أي كتابا مزبورا قال الزجاج أي فلا تنكروا تفضيل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإعطاءه القرآن فقد أعطى اللّه داود زبورا ، وفيه دلالة على وجه تفضيله وأنه خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في الزبور . قال تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] وهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته وإنما خصّ كتاب داود بالذكر لأن اليهود زعمت أنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة فكذبهم اللّه بقوله هذا . وتعريف الزبور تارة وتنكيره أخرى ، إما لأنه في الأصل فعول بمعنى المفعول أو مصدر بمعناه كالقبول ، وإما لأن المراد إيتاء داود زبورا من الزبر فيه ذكره صلّى اللّه عليه وسلّم . قال قتادة : كنا نحدث أن الزبور دعاء علمه داود وتحميد وتمجيد للّه عز وجل ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود ولا أحكام . وعن الربيع بن أنس قال : الزبور على اللّه ودعاء وتسبيح . قلت الأمر كما قاله قتادة والربيع ، فإنا وقفنا على الزبور فوجدناه خطبا يخطبها داود عليه السلام ويخاطب بها ربه عند دخوله الكنيسة وجملته مائة وخمسون خطبة كل خطبة تسمى مزمورا بفتح الميم الأولى وسكون الزاي وضم الميم الثانية وآخره راء ، ففي بعض هذه الخطب يشكو داود على ربه من إعدائه ويستنصره عليهم ، وفي بعضها يحمد اللّه ويمجده ويثني عليه بسبب ما وقع له من النصر عليهم والغلبة لهم وكان عند الخطبة يضرب بالقيثارة وهي آلة من آلات الملاهي . وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ههنا روايات عن جماعة من السلف يذكرون ألفاظا وقفوا عليها في الزبور ليس لها كثير فائدة فقد أغنى عنها وعن غيرها ما اشتمل عليه القرآن من المواعظ والزواجر . قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ هذا رد على طائفة من المشركين كانوا