صديق الحسيني القنوجي البخاري
130
فتح البيان في مقاصد القرآن
الشعر لأنها تقفو كل بيت ، ومنه القبيلة المشهورة بالقافة لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس . وحكى ابن جرير عن فرقة أنها قالت : قفى وقاف مثل عثى وعاث . وقال منذر بن سعيد البلوطي : قفى وقاف مثل جذب وجبذ ، وقيل مجزوم بحذف الواو من باب عدا وسما ، أي لا تقل رأيت ولم تر ، وسمعت ولم تسمع ، وعلمت ولم تعلم . ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلمه أو يعمل بما لا علم له . وهذه قضية كلية وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور ، فقال ابن عباس : لا تذم أحدا بما ليس لك به علم . وقيل هي في شهادة الزور قاله محمد ابن الحنفية وقيل هي في القذف . وقال القتيبي : معنى الآية لا تتبع الحدس والظنون ، وهذا صواب فإن ما عدا ذلك هو العلم . وقيل المراد بالعلم هنا هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند قطعيا كان أو ظنيا . قال أبو السعود في تفسيره : واستعماله بهذا المعنى مما لا ينكر شيوعه . وأقول إن هذه الآية دلت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم ، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن كالعمل بالعام وبخبر الواحد والعمل بالشهادة والاجتهاد في القبلة وفي جزاء الصيد ونحو ذلك فلا يخرج من عمومها ومن عموم أن الظن لا يغني من الحق شيئا إلا ما قام دليل جواز العمل به . فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان لعدم وجود الدليل في الكتاب والسنة فقد رخص فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما في قوله لمعاذ لما بعثه قاضيا « بم تقضي ؟ قال : بكتاب اللّه ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : فبسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي « 1 » ، وهو حديث صالح للاحتجاج به ، كما أوضح الشوكاني ذلك في بحث مفرد . وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولا أوليا لأنه محض رأي في شرع اللّه ، وللناس عنه غنى بكتاب اللّه سبحانه وبسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولم تدع إليه حاجة ، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل إنما هو رخصة للمجتهد يجوز له أن يعمل به ، ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به وينزل منزلة مسائل الشرع . وبهذا يتضح لك أتم اتضاح ويظهر لك أكمل ظهور أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء والعامل بها على شفا جرف هار ، فالمجتهد
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 236 ، 242 .