صديق الحسيني القنوجي البخاري
126
فتح البيان في مقاصد القرآن
الملس ، يقال أملق إذا افتقر وسلب الدهر ما بيده ، نهاهم اللّه سبحانه عن أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر ، وقد كانوا يفعلون ذلك ؛ وقد تقدم في سورة الأنعام نهي المعسرين بقوله وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [ الأنعام : 151 ] . وفي الكرخي حاصله أن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو من سوء الظن باللّه ، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم فالأول ضد التعظيم لأمر اللّه ، والثاني ضد الشفقة على خلق اللّه وكلاهما مذموم . ثمّ بيّن أن خوفهم من الفقر حتى يبلغوا بسبب ذلك إلى قتل الأولاد لا وجه له فإن اللّه سبحانه هو الرازق لعباده يرزق الأبناء كما يرزق الآباء فقال نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ولستم لهم برازقين حتى تصنعوا بهم هذا الصنع ، ثم علل سبحانه النهي عن قتل الأولاد لذلك بقوله إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً قرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء ، وقرىء بفتح الخاء والطاء يقال خطىء في دينه خطأ إذا أثم وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير عامد ، قال الأزهري خطىء يخطأ خطأ مثل أثم يأثم إثما إذا تعمد الخطأ وأخطأ إذا لم يتعمد خطأ والخطأ الإثم يقوم مقام الأخطاء وفيه لغتان القصر وهو الجيد والمد وهو قليل . وقرأ ابن كثير خطاء بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة ، قال النحاس ليس لهذه القراءة وجه وكذلك جعلها أبو حاتم غلطا . ولما نهى سبحانه عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى ذلك لما فيه من اختلاط الأنساب فقال وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى قربت الأمر أقربه من باب تعب وفي لغة من باب قتل قربانا بالكسر فعلته أو دانيته ومن الأول هذه الآية ، ومن الثاني لا تقرب الحمى أي لا تدن منه ، وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كأم حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب ، والزنا فيه لغتان المد والقصر . ثم علل النهي عن الزنا بقوله إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي قبيحا متبالغا في القبح مجاوزا للحد شرعا وعقلا وَساءَ سَبِيلًا أي بئس طريقه وذلك لأنه يؤدي إلى النار ولا خلاف في كونه من كبائر الذنوب . وقد ورد في تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم وهو يشتمل على أنواع من المفاسد منها المعصية وإيجاب الحد على نفسه ومنها اختلاط الأنساب فلا يعرف الرجل ولد من هو ولا يقوم أحد بتربيته ، وذلك يوجب ضياع الأولاد وانقطاع النسل ، وذلك يوجب خراب العالم . وعن السدي في الآية قال : يوم نزلت هذه لم تكن حدود فجاءت بعد ذلك