صديق الحسيني القنوجي البخاري

120

فتح البيان في مقاصد القرآن

ونحوه نفخ فيه ليزيله ؛ فالصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قول القائل أف . ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم ، وقال الزجاج معناه النتن . وقال أبو عمرو بن العلاء : الأف وسخ بين الأظفار والثف قلامتها . والحاصل أنه اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال أو صوت ينبئ عن ذلك فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما وقيل أف مصدر بمعنى تبا وقبحا وخسرانا والأول أرجح ، وبهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيهما بفحوى الخطاب أو بلحنه كما هو مقرر في الأصول . وَلا تَنْهَرْهُما أي لا تضجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك ، والنهي والنهر والنهم أخوات بمعنى الزجر والغلظة ، يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره قال الزجاج : معناه لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما . وَقُلْ لَهُما بدل التأفيف والنهر قَوْلًا كَرِيماً أي لينا لطيفا جميلا سهلا أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع حسن التأدب والحياء والاحتشام . قال محمد بن زبير : يعني إذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما . وقيل هو أن يقول يا أماه يا أبتاه ولا يدعوهما بأسمائهما ولا يكنيهما . وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ قال سعيد بن جبير : اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ ، ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين : الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فراخه إليه للتربية خفض لها جناحه ، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير ، فكأنه قال للولد اكفل لوالديك بأن تضمهما إلى نفسك لكبرهما وافتقارهما اليوم إليك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك وكنت مفتقرا إليهما . والثاني : أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد النزول خفض جناحه ، فصار خفض الجناح كناية بليغة عن التواضع وترك الارتفاع ، وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان . الأول : إنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك حاتم الجود فالأصل فيه الجناح الذليل . والثاني : سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحا ثم أثبت لذلك الجناح خفضا والذل من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذليل ، وقرىء بكسر الذال من قولهم دابة ذلول بينة الذل أي منقادة سهلة لا صعوبة فيها . وقوله مِنَ الرَّحْمَةِ فيه معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما