صديق الحسيني القنوجي البخاري
12
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنَّ فِي ذلِكَ الإنزال والإنبات لَآيَةً عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرد بالربوبية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في مخلوقات اللّه ولا يهملون النظر في مصنوعاته ، وقد ذكر لفظ الآية في هذه السورة سبع مرات خمس بالافراد واثنتان بالجمع قال الكرماني : ما جاء الافراد فلوحدة المدلول وهو اللّه تعالى ، وما جاء منها بلفظ الجمع فلمناسبة مسخرات انتهى . وختم هذه الفاصلة بالتفكر لأن النظر في ذلك يعني إنبات النبات بالماء يحتاج إلى مزيد تأمل واستعمال فكر ، ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها مقدار من الزمان مع رطوبة الأرض فإنها تنتفخ وينشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض ثم ينمو الأعلى ويقوى ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح والأشكال والمنافع . ومن تفكر في ذلك علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلا عن أن يشاركه أخس الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علوا كبيرا ذكره الخازن وأبو السعود . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 12 إلى 15 ] وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 12 ) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 ) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم يتعاقبان دائما كالعبد الطائع لسيده لا يخالف ما يأمر به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في نفعه وَ كذا الكلام في تسخيره الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَ قوله : النُّجُومُ قرأ حفص عن عاصم برفعه على أنه مبتدأ وخبره مُسَخَّراتٌ أي مذللات مقهورات بِأَمْرِهِ تعالى تجري على نمط متحد يستدل بها العباد على مقادير الأوقات ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان ولا تصرف لها في نفسها فضلا عن غيرها ، وفيه رد على الفلاسفة والمنجمين لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم هي الفعالة المتصرفة في العالم السفلي فأخبر سبحانه أنها مذللات تحت قهره وإرادته . إِنَّ فِي ذلِكَ التسخير وما بعده لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي يعملون عقولهم