صديق الحسيني القنوجي البخاري

118

فتح البيان في مقاصد القرآن

جواب النهي ، أي لا يكن منك جعل فقعود ، ومعنى تقعد تصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة ؛ وإليه ذهب الفراء والزمخشري ، وليس المراد حقيقة القعود المقابل للقيام . وقيل هو كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات ، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يكون قاعدا عن الطلب . وقيل إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادما مفكرا على ما فرط منه فالقعود على هذا حقيقة . مَذْمُوماً مَخْذُولًا ونصبهما على خبرية تقعد أو على الحال ، أي من غير حمد وبغير ناصر فتصير جامعا بين الأمرين : الذم لك من اللّه ومن ملائكته ومن صالحي عباده ، والخذلان لك منه سبحانه ، أو حال كونك جامعا بينهما . وحاصل ما ذكر في هذه الآيات من أنواع التكاليف خمسة وعشرون نوعا بعضها أصلي وبعضها فرعي ، وقد ابتدأ بالأصلي في قوله لا تجعل ، ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون من عمل بها ساعيا في الآخرة فقال : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 23 إلى 27 ] وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 ) وَقَضى رَبُّكَ أي أمر أمرا جزما وحكما قطعا وحتما مبرما وعن ابن عباس أنه قرأ ووصى ربك مكان وقضى ، وقال التزقت الواو والصاد وأنتم تقرأونها وقضى ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد ، وبه قرأ الضحاك أيضا أقول إنما يلزم هذا لو كان القضاء بمعنى الفراغ من الأمر ، وهو وإن كان أحد معاني مطلق القضاء كما في قوله قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [ يوسف : 41 ] وقوله فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [ البقرة : 200 ] وقوله فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ [ النساء : 103 ] ولكنه ههنا بمعنى الأمر وهو أحد معاني القضاء والأمر لا يستلزم ذلك ، فإنه سبحانه قد أمر عباده بجميع ما أوجبه ومن جملة ذلك إفراده بالعبادة وتوحيده ، وذلك لا يستلزم أن لا يقع الشرك من المشركين . ومن معاني مطلق القضاء معان أخر غير هذين المعنيين كالقضاء بمعنى الخلق ومنه فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ فصلت : 12 ] وبمعنى الإرادة كقوله إِذا قَضى أَمْراً [ آل عمران : 47 ] وبمعنى العهد كقوله إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [ القصص : 44 ] وقد