صديق الحسيني القنوجي البخاري
114
فتح البيان في مقاصد القرآن
فكذلك أمرته ففسق يدل على أن المراد به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به ويناقضه . والقول الثاني : أن معنى أمرنا مترفيها أكثرنا فساقها ، قال الواحدي : تقول العرب أمر القوم إذا كثروا وأمرهم اللّه إذا كثرهم ، وقد قرىء أمرنا بتشديد الميم أي جعلناهم أمراء مسلطين ، وقرىء آمرنا بالمد والتخفيف أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها ، قاله الكسائي ، وقال أبو عبيدة ، آمرته بالمد وأمرته لغتان بمعنى كثرته ومنه الحديث : « خير المال مهرة مأمورة » « 1 » أي كثيرة النتاج والنسل وكذا قال ابن عزير . وقرىء أمرنا بالقصر وكسر الميم على معنى فعلنا ورويت هذه القراءة عن ابن عباس قال قتادة والحسن : المعنى أكثرنا وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيدة وأنكره الكسائي ، قال لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد ، قال في الصحاح وقال أبو الحسن أمر ماله بالكسر أي كثر ، وأمر القوم أي كثروا ، وقرأ الجمهور أمرنا من الأمر ومعناه ما قدمنا في القول الأول . وقد قيل في تأويل أمرنا بأنه مجاز عن الأمر الحامل لهم على الفسق وهو إدرار النعم عليهم ، وقيل المراد قرب إهلاك قرية وهو عدول عن الظاهر بدون ملجىء إليه . والمراد بالمترفين المنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش ، والمفسرون يقولون في تفسير المترفين إنهم الجبارون المتسلطون والملوك الجائرون ، قالوا وإنما خصوا بالذكر لأن من عداهم أتباع لهم ، وفي القاموس الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخص به صاحبك وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترّفته تتريفا والمترف كمكرم المتروك يفعل ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم . فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ أي ثبت وتحقق ووجب عليهم العذاب والعقاب بعد ظهور فسقهم وتمردهم في كفرهم فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً عظيما لا يوقف على كنهه لشدته وعظيم موقعه وأهلكناها إهلاك استئصال والدمار الهلاك والخراب . ثم ذكر سبحانه أن هذه عادته الجارية مع القرون الخالية فقال وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ أي كثيرا ما أهلكنا منهم فكم مفعول أهلكنا أي أن من قوم كفروا مِنْ بَعْدِ نُوحٍ كعاد وثمود وغيرهم من الأمم الخالية فحل بهم البوار ونزل بهم سوط العذاب وفيه تخويف لكفار مكة ، وإنما قال ذلك لأنه أول من كذبه قومه ومن ثم لم يقل من بعد آدم ، ومن الثانية لابتداء الغاية والأولى للبيان فلذلك اتحد متعلقهما .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 468 .