صديق الحسيني القنوجي البخاري

108

فتح البيان في مقاصد القرآن

صاغرون ، وقد اختلفت الروايات في تعيين الواقع منهم في المرتين وفي تعيين من سلطه اللّه عليهم وفي كيفية الانتقام منهم ولا يتعلق بذلك كثير فائدة . وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ منهم ومن غيرهم حَصِيراً أي سجنا ومحبسا جعل اللّه مأواهم فيها قاله ابن عباس ، والحصير هو المحبس فهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول ، والمعنى أنهم محبوسون في جهنم لا يتخلصون عنها أبدا . قال الجوهري : حصره يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به ، ويقال للسجن محصر وحصير ، وقيل فراشا ومهادا ، قاله الحسن ، وأراد على هذا بالحصير الحصير الذي يفرشه الناس . إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي الناس لِلَّتِي أي للطريقة التي هِيَ أَقْوَمُ وأصوب من غيرها من الطرق وهي ملة الإسلام . وقال الزجاج : للحال التي هي أقوم الحالات ، وهي توحيد اللّه والإيمان برسله ، وكذا قال الفراء ، وقيل للكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا اللّه ، فبعضهم يصل بهدايته وهم المؤمنون وبعضهم لا يصل وهم الكافرون . وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ بما اشتمل عليه من الوعد بالخير آجلا وعاجلا الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ التي أرشد إلى عملها القرآن أَنَّ لَهُمْ أي بأن لهم أَجْراً كَبِيراً وهو الجنة وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وأحكامها المبينة في القرآن أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً وهو عذاب النار فلا يكون ذلك داخلا في حيز البشارة وعليه جرى السفاقسي والبيضاوي والسيوطي . والجملة عطف على جملة يبشر بتقدير يخبر ، وقيل عطف على قوله أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ويراد بالتبشير الإخبار سواء كان بخير أو شر أو معناه الحقيقي ويكون الكلام مشتملا على تبشير المؤمنين ببشارتين ، الأولى ما لهم من الثواب والثانية ما لأعدائهم من العقاب ، ولا شك أن ما يصيب عدوهم سرور لهم . وَيَدْعُ القياس أن تثبت واو يدع لأنه مرفوع ، إلا أنه وجب سقوطها لفظا لاجتماع الساكنين سقطت في الخط أيضا على خلاف القياس ، ونظيره سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [ العلق : 18 ] . الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ المراد بالإنسان هو الجنس لوقوع هذا الدعاء من بعض أفراده ، وهو دعاء الرجل على نفسه وماله وولده وعند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له نحو اللهم أهلكه اللهم العنه ونحو ذلك . دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أي مثل دعائه لربه بالخير لنفسه ولأهله ، كطلب العافية والرزق ونحوهما ، فلو استجاب اللّه دعاؤه على نفسه بالشر لهلك ، لكنه لم يستجب تفضلا منه ورحمة . ومثل ذلك وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ [ يونس : 11 ] وقد