صديق الحسيني القنوجي البخاري
102
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم التفت ثانيا من التكلم في باركنا إلى الغيبة في ليريه على قراءة الحسن بالياء ، ثم التفت ثالثا من هذه الغيبة إلى التكلم في آياتنا ، ثم التفت رابعا من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله إنه هو على الصحيح في الضمير إِنَّهُ للّه تعالى . وأما على قول نقله أبو البقاء إن الضمير في أنه هو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يجيء ذلك ، ويكون في قراءة العامة التفات واحد وفي قراءة الحسن ثلاثة ، وهذا موضع غريب ، وأكثر ما ورد الالتفات ثلاث مرات على ما قال الزمخشري في قول امرئ القيس : تطاول ليلك بالإثمد « 1 » وقيل فيها خمسة التفاتات ، والخامس الالتفات من قوله إنه هو إلى التكلم في قوله الآتي وَآتَيْنا مُوسَى . وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلّى اللّه عليه وسلّم مع روحه أو بروحه فقط ، فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول ، وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق ، وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان . وذهب طائفة إلى التفصيل فقالوا كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح ، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله إلى المسجد الأقصى فجعله غاية للإسراء بذاته صلّى اللّه عليه وسلّم فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره . والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة ، ولا مقتضى لذلك إلا مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شيء . ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم إن الإسراء كان بالروح فقط وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد ممن لم يشرح بالإيمان صدرا ، فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد .
--> ( 1 ) تمامه : تطاول ليلك بالإثمد * ونام الخليّ ولم ترقد والبيت من المتقارب ، وهو لامرىء القيس في ديوانه ص 185 ، والمستقصى 2 / 50 ، وسمط اللآلي ص 531 ، ومعاهد التنصيص 1 / 171 ، وخزانة الأدب 1 / 280 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 775 ، ومعجم البلدان ( إثمد ) ، وتاج العروس ( ثمد ) ، ( طال ) ، وشرح قطر الندى ص 136 .