صديق الحسيني القنوجي البخاري

100

فتح البيان في مقاصد القرآن

للتسبيح كعثمان للرجل أي أسبح اللّه سبحان ثم نزل منزلة الفعل وسدّ مسده ودل على التسبيح البليغ والتنزيه الكامل ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى . الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ الإسراء قيل هو سير الليل يقال سرى وأسرى كسقى وأسقى لغتان بمعنى سار في الليل وهما لازمان لكن مصدر الأولى الإسراء ومصدر الثاني سرى بضم السين كهدى فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول وإنّما جاءت التعدية هنا من الباء ومعنى أسرى به صيّره ساريا في الليل ، وقيل هو سير أول الليل خاصة . وإذا كان الإسراء لا يكون إلا في الليل فلا بد للتصريح بذكر الليل بعده من فائدة ، فقيل أراد بقوله لَيْلًا تقليل مدة الإسراء وإنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة ، ووجه دلالة ليلا على تقليل المدة ما فيه من التنكير الدال على البعضية بخلاف ما إذا قلت سريت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعا . وقد استدل صاحب الكشاف على إفادة ليلا للبعضية بقراءة عبد اللّه وحذيفة من الليل أي في جزء من الليل ، قيل قدر أربع ساعات ، وقيل ثلاث وقيل أقل من ذلك ، والتقليل والتبعيض متقاربان ، فاستعمل في التبعيض ما هو للتقليل وقال الزجاج : معنى الآية سيّر عبده يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليلا وعلى هذا معنى أسرى سيّر فيكون للتقييد بالليل فائدة . وقد أجمع المفسرون والعلماء والمتكلمون على أن المراد بالعبد محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يختلف أحد من الأمة في ذلك وقال بعبده ولم يقل بنبيه أو برسوله أو بمحمد تشريفا له صلّى اللّه عليه وسلّم . قال أهل أهلم : لو كان غير هذا الاسم أشرف منه لسماه اللّه سبحانه به في هذا المقام العظيم والحالة العلية . أصم إذا نوديت باسمي وإنني * إذا قيل لي يا عبدها لسميع غيره لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : أسري بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة . وعن ابن شهاب قال : أسري به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة . وعن عروة نحوه . وقال السدي قبل مهاجره بستة عشر شهرا . مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال الحسن وقتادة : يعني المسجد نفسه ، وهو ظاهر القرآن ، وقال عامة المفسرين . أسري به صلّى اللّه عليه وسلّم من دار أم هانىء ، فحملوا المسجد الحرام على مكة أو الحرم لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام أو لأن الحرم كله مسجد . وفي حديث مالك بن صعصعة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « بينا أنا في المسجد الحرام