صديق الحسيني القنوجي البخاري

91

فتح البيان في مقاصد القرآن

واسعة الأطراف ضاقت عليهم بسبب ما حل بهم من الخوف والوجل ، وقيل إن الباء بمعنى على أي على رحبها . ثُمَّ وَلَّيْتُمْ أي انهزمتم حال كونكم مُدْبِرِينَ أي مولين أدباركم جاعلين لها إلى جهة عدوكم . أخرج ابن المنذر عن الحسن قال : لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن نقاتل حين اجتمعنا ، فكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم ، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد ، حتى جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينادي أحياء العرب : إليّ فو اللّه ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه ، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية فناداهم : يا أنصار اللّه وأنصار رسوله إليّ عباد اللّه أنا رسول اللّه ، فجثوا يبكون وقالوا : يا رسول اللّه ورب الكعبة إليك واللّه فنكسوا رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول صلى اللّه عليه وسلم حتى فتح اللّه عليهم . وقيل ناداهم العباس بإذنه ، وكان صيتا يسمع صوته من نحو ثمانية أميال ، فقاتلوا ، ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها فلا نطول بذلك . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثابت لم يفر ، والمراد بالمؤمنين هم الذين لم ينهزموا وقيل الذين انهزموا ، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا . وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها هم الملائكة ، واختلف في عددهم على أقوال ، قيل كانوا خمسة آلاف ، وقيل ثمانية آلاف ، وقيل ستة عشر ألفا ، وقيل غير ذلك ، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة . واختلفوا أيضا هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا ، وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وإنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين وإدخال الرعب في قلوب المشركين وإن كانوا يرونهم ، وقيل إن الكفار كانت تراهم . عن جبير بن مطعم قال : رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم ، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي لم أشك أنها الملائكة ، ولم تكن إلا هزيمة للقوم . وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار ، فكنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ، ولم نولهم الدبر ، وهم الذين أنزل عليهم السكينة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدما