صديق الحسيني القنوجي البخاري
89
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقرأ الحسن : عشائركم والباقون عَشِيرَتُكُمْ ، والاقتراف الاكتساب ، وأصله اقتطاع الشيء من مكانه ، والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه ، والتجارة الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها ، والكساد عدم النفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان . ومن غرائب التفسير ما روي عن ابن المبارك أنه قال : إن المراد بالتجارة في هذه الآية البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدون لهن خاطبا واستشهد لذلك بقول الشاعر : كسدن من الفقر في قومهن * وقد زادهن مقامي كسادا وهذا البيت وإن كان فيه إطلاق الكساد على عدم وجود الخطاب لهن فليس فيه جواز إطلاق اسم التجارة عليهن ، والمراد بالمساكن المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم ويرون الإقامة إليها أحب إليهم من المهاجرة إلى اللّه ورسوله ومن الجهاد في سبيله فقعدوا لأجل ما ذكر من الأمور الثمانية أو لأجل حبها والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأن اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا ليس لتناسي ما فيها من مبادئ المحبة وموجبات الرغبة فيها ، وإنها مع ما لها من فنون المحاسن بمعزل من أن يؤثر حبها على حبه تعالى وحب رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم كما في قوله عز وجل : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] والمراد بالحب الاختياري دون الطبيعي وهو إيثارهم وتقديم طاعتهم لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤاخد عليه ولا يكلف الإنسان بالتحفظ عنه . فَتَرَبَّصُوا أي فانتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فيكم وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم ، وقيل المراد بأمر اللّه سبحانه القتال ، وقيل فتح مكة وفيه بعد ، فقد روي إن هذه السورة نزلت بعد الفتح ، وقيل هو عقوبة عاجلة أو آجلة ، وفي هذا وعيد شديد وتهديد لهم ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح به لتذهب أنفسهم كل مذهب وتتردد بين أنواع العقوبات . وإنما كان تهديدا لكونهم آثروا لذات الدنيا على الآخرة ، وهذا قل من يتخلص منه ، ولذا قيل إنها أشد آية نعت على الناس كما فصله في الكشاف ، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين مهمات الدنيا وجب ترجيح الدين على الدنيا ليبقى الدين سليما وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي الخارجين عن طاعته النافرين عن امتثال أوامره ونواهيه . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 25 إلى 27 ] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 27 )