صديق الحسيني القنوجي البخاري

87

فتح البيان في مقاصد القرآن

أي الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس أحق بما لديه الخير ، من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها المحبطة الباطلة . وفي قوله : عِنْدَ اللَّهِ تشريف عظيم للمؤمنين وَأُولئِكَ أي المتصفون بالصفات الثلاثة المذكورة هُمُ الْفائِزُونَ بسعادة الدارين المختصون بالفوز المحصلون لأصله بالنسبة لكون الغير أهل السقاية والعمارة والمحصلون لأكمله بالنسبة لكون الغير من لم يجمع الأوصاف المذكورة ، ثم فسر الفوز بقوله . يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ التنكير في الثلاثة للتعظيم ، والمعنى إنها فوق وصف الواصفين وتصور المتصورين ، قال أبو حيان : لما وصف اللّه المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال ، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث ، وبدأ بالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقفها عليه ، وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال ، ثم ثلث بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم دارا عظيمة دائمة وهي الجنات انتهى . لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 22 إلى 23 ] خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذكر الأبد بعد الخلود تأكيد له إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ مؤكدة لما قبلها مع تضمنها للتعليل أي أعطاهم اللّه سبحانه هذه الأجور العظيمة لكون الأجر الذي عنده عظيما يهب منه ما يشاء لمن يشاء وهو ذو الفضل العظيم ، وهذه أعظم البشارات ونهاية المقصودات . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ يعني بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة ، والخطاب للمؤمنين كافة وهو حكم باق إلى يوم القيامة ، يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين والمراد النهي لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة فرد من أفراد المشركين بقضية مقابلة الجمع بالجمع الموجب لانقسام الآحاد إلى الآحاد كما في قوله : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [ البقرة : 270 ] لا عن موالاة طائفة منهم فإن ذلك مفهوم من اللفظ دلالة لا عبارة . وقالت طائفة من أهل العلم إنها نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر ، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب ، نهوا أن