صديق الحسيني القنوجي البخاري
73
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل هو استثناء متصل من المشركين الأول ، ويرده بقاء الثاني على العموم مع كونهما عبارة عن فريق واحد ، وجعله استثناء من الثاني يأباه بقاء الأول كذلك ، وقيل هو استدراك من المقدر في فَسِيحُوا أي قولوا لهم سيحوا أربعة أشهر لكن الذين عاهدتم منهم . ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من شروط الميثاق ولم يقتلوا منكم أحدا ولم يضروكم قط أي لم يقع منهم أي نقص وإن كان يسيرا ، وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم ، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعده ومنهم من ثبت عليه ، فأذن اللّه سبحانه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم بنقض عهد من نقض ، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته . وقرأ الجمهور بالصاد المهملة ، قال الكرماني : قراءة المعجمة مناسبة لذكر العهد فإن من نقض العهد فقد نقص من المدة إلا أن قراءة العامة أوقع لمقابلتها التمام ، وكلمة ثم للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة . وَلَمْ يُظاهِرُوا المظاهرة المعاونة أي لم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزانة في غيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فظاهرتهم قريش بالسلاح فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ أي أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص إِلى مُدَّتِهِمْ التي عاهدتموهم إليها وإن كانت أكثر من أربعة أشهر ، ولا تعاملوهم معاملة الناكثين من القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقا وهي أربعة أشهر أو خمسون يوما على الخلاف السابق . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون اللّه فيما حرم عليهم فيوفون بالعهد ، قال السدي : فلم يعاهد النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحدا . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 5 ] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ انسلاخ الشهر تكامله جزءا فجزءا إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه ، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه ، وأصله الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده فاستعير لانقضاء الأشهر يقال سلخت المرأة درعها نزعته ، وفي التنزيل وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] قال الخفاجي : السلخ يستعمل تارة بمعنى الكشط ، كسلخت الإهاب عن الشاة ، أي نزعته عنها ، وأخرى بمعنى الإخراج كسلخت الشاة عن الإهاب أي أخرجتها منه ، فإطلاق الانسلاخ على الأشهر استعارة من المعنى الأول فإن الزمان ظرف محيط بالأشياء كالإهاب ، والبيضاوي جعله من الثاني ، كأنه لما انقضى أخرج من الأشياء الموجودة كذا قيل ، ومثل انسلخ انجرد وسنة جرداء تامة اه .