صديق الحسيني القنوجي البخاري

64

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأسكنوهم منازلهم ، وبذلوا لهم أموالهم وآثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وَنَصَرُوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والإشارة بقوله : أُولئِكَ إلى الموصول الأول والآخر وخبره الجملة المذكورة بعده بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في النصرة والمعونة ، وقيل في الميراث وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا من مكة بل أقاموا بها ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ بفتح الواو وكسرها أي من نصرتهم وإعانتهم أو من ميراثهم مِنْ شَيْءٍ ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم فلا إرث بينكم وبينهم حَتَّى يُهاجِرُوا إلى المدينة فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة . وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ أي هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين فَعَلَيْكُمُ أي فواجب عليكم النَّصْرُ قال الزجاج : ويجوز النصر بالنصب على الإغراء أثبت للقسمين الأوّلين النصرة والإرث ونفى عن هذا القسم الإرث وأثبت له النصرة . إِلَّا أن يستنصروكم عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد فلا تنصرونهم عليهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته وهي عشر سنين وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تحذير عن تعدي حد الشرع الشريف . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي بعضهم ينصر بعضا ويتولاه في أموره أو يرثه إذا مات ، وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والموازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب . إِلَّا تَفْعَلُوهُ الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور وترك موالاة الكافرين تَكُنْ أي تقع فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ إن لم تفعلوا ذلك وهي قوة الكفار وَفَسادٌ كَبِيرٌ أي مفسدة كبيرة في الدين والدنيا وهو ضعف المسلمين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 74 إلى 75 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 74 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 75 ) ثم بين سبحانه حكما آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل اللّه والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا