صديق الحسيني القنوجي البخاري

62

فتح البيان في مقاصد القرآن

مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية » « 1 » ، وفي الباب روايات كثيرة بطرق عديدة بألفاظ مختلفة . وفي بعضها عند أحمد والترمذي وحسنه عن ابن مسعود فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن اللّه ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن اللّه ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة » ، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إبراهيم : 36 ] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام إذ قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ « 2 » [ يونس : 88 ] الحديث . روي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزل فَكُلُوا فالفاء لترتيب ما بعدها على سبب محذوف أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مِمَّا غَنِمْتُمْ أو المعنى اتركوا الفداء فكلوا مما غنمتم من غيره ، وقيل إن « ما » عبارة عن الفداء أي كلوا من الفداء الذي غنمتم فإنه من جملة الغنائم التي أحلها اللّه لكم أكلا ، ويأباه سياق النظم الكريم وسباقه . حَلالًا طَيِّباً أي أكلا حلالا أو النصب على الحال ، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ولم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل اللّه لنا وذلك بأن رأى ضعفا عجزنا فأحلها لنا » « 3 » أخرجه البخاري ومسلم وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم يأذن اللّه لكم به إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما فرط منكم رَحِيمٌ بكم فلذلك رخص لكم في أخذ الفداء في مستقبل الزمان . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 70 إلى 71 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ خاطب اللّه النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذا أي قُلْ لِمَنْ أي لهؤلاء الذين فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً من حسن إيمان وصلاح نية وخلوص طوية يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء أي يعوضكم في هذه الدنيا رزقا خيرا منه وأنفع لكم ، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ شأنه المغفرة لعباده والرحمة بهم .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 243 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 383 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الخمس باب 8 .