صديق الحسيني القنوجي البخاري
595
فتح البيان في مقاصد القرآن
التشريف ما شاء ، وكل ما يعطيه اللّه سبحانه للوط من فضل يؤتى ضعفه من شرف لمحمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه أكرم على اللّه منه ، أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلة وموسى التكليم وأعطى ذلك لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، قال فإذا أقسم اللّه سبحانه بحياة لوط فحياة محمد صلى اللّه عليه وسلم أرفع ، قال القرطبي : ما قاله حسن فإنه يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى اللّه عليه وسلم كلاما معترضا في قصة لوط عليه السلام . فإن قيل قد اقسم اللّه سبحانه بالتين والزيتون وطور سينين ونحو ذلك فما فيها من فضل ، وأجيب بأنه ما من شيء أقسم اللّه به إلا وفي ذلك دلالة على فضله على جنسه ، وقيل الإقسام منه سبحانه بالتين والزيتون وطور سينين والنجم والضحى والشمس والليل ونحو ذلك هو على حذف مضاف هو المقسم به ، أي وخالق التين وكذلك ما بعده ، وفي قوله : لَعَمْرُكَ أي وخالق عمرك . وذكر صاحب الكشاف وأتباعه أن هذا القسم هو من الملائكة على إرادة القول ، أي قالت الملائكة للوط لعمرك ، ثم قال : وقيل الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له . انتهى . وقد كره كثير من العلماء القسم بغير اللّه سبحانه ، وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة في النهي عن القسم بغير اللّه فليس لعباده أن يقسموا بغيره وهو سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ أي إنهم لفي غوايتهم وشدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم يتحيرون ، جعل الغواية لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة ، والضمير لقريش على أن القسم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والجملة اعتراض ، أو لقوم لوط على أن القسم بلوط ، قال قتادة : أي في ضلالهم يلعبون ، وقال الأعمش لفي غفلتهم يترددون ، وعمه من باب تعب كما في المختار . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العظيمة أو صيحة جبريل والصيحة العذاب ، قال ابن جريج : الصيحة مثل الصاعقة وكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة مُشْرِقِينَ أي حال كونهم داخلين في وقت الشروق ، يقال أشرقت الشمس أي أضاءت وشرقت إذا طلعت ، وقيل هما لغتان بمعنى واحد ، وأشرق القوم إذا دخلوا في وقت شروق الشمس ، وقيل أراد شروق الفجر ، وقيل أول العذاب كان عند شروق الفجر حين أصبحوا وامتد تمامه إلى طلوع الشمس حين أشرقوا ، فلذلك قال أولا مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ وقال ههنا مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنا مرتب على أخذ الصيحة عالِيَها أي عالي المدينة أو عالي قرى قوم لوط سافِلَها وقال الزمخشري الضمير لقرى ، ورجح الأول بأنه تقدم