صديق الحسيني القنوجي البخاري
59
فتح البيان في مقاصد القرآن
وجود هذا في الخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر عند اللقاء . وقيل إن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر كقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [ البقرة : 233 ] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة اللّه سبحانه بأن يثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم . وفي الخطيب حاصل هذه العبارة المطولة أن الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة في العدول إلى تلك . أجيب بأن هذا إيماء ورد على وفق الواقعة فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبعث السرايا ، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة ، فلهذا المعنى ذكر اللّه هذين العددين . بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي أن هذا الغلب بسبب جهلهم باللّه وباليوم الآخر وعدم فقههم ، وأنهم يقاتلون على غير بصيرة ، ولا يقاتلون احتسابا وأمثالا لأمر اللّه تعالى وعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعله المؤمنون ، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان ، وإثارة ثائرة البغي والعدوان ، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب . ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً عن قتال عشرة أمثالكم ، قرىء بضم الضاد وفتحها فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ منهم وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار . قال سفيان وابن شبرمة : وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم ، وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب المائة للمائتين والألف للألفين أنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف . ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو بِإِذْنِ اللَّهِ وتسهيله وتيسيره وإرادته لا بقوتهم وجلادتهم ، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين فقال : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بعونه ، وفيه الترغيب إلى الصبر والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر لأن من كان اللّه معه لم يستقم لأحد أن يغلبه . وعن النصرباذي : أن هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو الذي يقول : بك أصول وبك أجول ، ومن كان كذا لا يثقل عليه شيء حتى يخفف ، وقد اختلف أهل العلم هل هذا التخفيف نسخ أم لا ولا يتعلق بذلك كثير فائدة .