صديق الحسيني القنوجي البخاري
584
فتح البيان في مقاصد القرآن
فِي الْأَرْضِ أي ما داموا في الدنيا والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها أو بشغلهم بزينة الدنيا وحبها عن فعل ما أمرهم اللّه به فلا يلتفتون إلى غيرها . وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ أي لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في طريق الغواية وأحملهم عليها بالقاء الوسوسة في قلوبهم ، وذلك أن إبليس لما علم أنه يموت على الكفر غير مغفور له حرص على إضلال الخلق بالكفر واغوائهم ، وفي الآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال وحملهم على التسبب عدول عن الظاهر . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ أي الذين استخلصتهم من العباد أو الذين أخلصوا لك العبادة والطاعة فلم يقصدوا بها غيرك ، وإنما استثناهم لأنه علم أن كيده ووسوسته لا تعمل فيهم ولا يقبلون منه وحقيقة الاخلاص فعل الشيء خالصا للّه عن شائبة الغير . قالَ اللّه تعالى : هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ لا عوج فيه والمعنى حق عليّ أن أراعيه واحفظه وهو أن لا يكون لك على عبادي سلطان ، فالكلام على التشبيه عند أهل السنة كما في قوله تعالى : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الروم : 47 ] إذ لا تجب رعاية الأصلح عندنا ، وقيل قال الكسائي : هذا على الوعيد والتهديد كقولك لمن تهدده : طريقك عليّ ومصيرك إليّ وكقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] فكان معنى هذا الكلام هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلا بعمله . وقيل عَلَيَّ هنا بمعنى « إلي » وقيل المعنى على أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والحجة ، وقيل التوفيق والهداية ، وقيل عائد إلى الاخلاص أي أن الاخلاص طريق عليّ وإليّ يؤدي إلى كرامتي ورضواني . وقال أبو السعود : والأظهر أن ذلك رد لما وقع في عبارة إبليس حيث قال : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [ الأعراف : 16 ، 17 ] الآية ، وقرأ عليّ على أنه صفة مشبهة ومعناه رفيع . إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ المراد بالعباد هنا هم المخلصون ، والمراد أنه لا تسلط أنت عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه ، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء أو نحوهما فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه قال أهل المعاني معنى عَلَيْهِمْ على قلوبهم ، وقال سفيان بن عيينة : معناه ليس لك عليهم قوة وقدرة على أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي ، وهؤلاء خاصته أي الذين هداههم واجتباهم من عباده . إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ استثنى سبحانه من عباده هؤلاء وهم المتبعون لإبليس مِنَ الْغاوِينَ عن طريق الحق الواقعين في الضلال وهو موافق لما قاله إبليس اللعين في قوله : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ .