صديق الحسيني القنوجي البخاري
579
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال سيبويه : المسنون المصور مأخوذ من سنة الوجه وهي صورته ، وقال الأخفش : المسنون المنصوب القائم . من قولهم وجه مسنون إذا كان فيه طول ، والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بل صار طينا فلما أنتن صار حمأ مسنونا فلما يبس صار صلصالا ، فأصل الصلصال هو الحمأ المسنون ، ولهذا وصف بهما ، وعن ابن عباس قال : خلق الإنسان من ثلاث : من طين لازب وصلصال وحمأ مسنون ، فالطين اللازب اللازم الجيد والصلصال المدقق الذي يصنع منه الفخار ، والحمأ المسنون الطين الذي فيه الحمأة . وقال أيضا الصلصال الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتشقق ثم تصير مثل الخزف الرقاق ، وعنه قال : الصلصال هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه ، وقال أيضا طين خلط برمل . وقال أيضا الذي إذا ضربته صلصل ، وعنه قال الطين تعصر بيدك فتخرج الماء من بين أصابعك ، وقال حمأ مسنون من طين رطب وقال من طين منتن . وَالْجَانَّ منصوب على الاشتغال وهو أبو الجن عند جمهور المفسرين ، وقال الحسن وعطاء وقتادة ومقاتل هو إبليس أبو الشياطين وسمي جانا لتواريه عن الأعين ، يقال جن الشيء إذا ستره ، فالجان يستر نفسه عن أعين بني آدم ، وهما نوعان يجمعهما وصف الاستتار عنا . وفي الجن مسلمون وكافرون ، وهم يأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم ، وأما الشياطين فليس منهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات إبليس أبوهم . ذكره الخازن . قال ابن عباس : الجان مسيخ الجن كالقردة والخنازير مسيخ الانس ، وقيل كان إبليس من حي الملائكة يسمون الجان ، خلقوا من نار السموم ، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وخلقت الملائكة من النور . خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل خلق آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ وهي الريح الحارة النافذة في المسام لشدة لطفها وقوة حرارتها يكون بالنهار ، وقد يكون بالليل ، كذا قال أبو عبيدة . وقال أبو صالح : السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها ، وهي نار تكون بين السماء وبين الحجاب ، فإذا أحدث اللّه أمرا أخرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به ، فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب . قاله الخطيب . وقيل السموم نار جهنم ، وقيل هي جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان ، قاله ابن مسعود ، وفي السمين : السموم ما يقتل من إفراط الحر من شمس أو ريح أو نار لأنها تدخل في المسام ، وقيل السموم ما كان ليلا والحرور ما كان نهارا ، وقيل هو من باب إضافة الموصوف لصفته .