صديق الحسيني القنوجي البخاري

573

فتح البيان في مقاصد القرآن

السماء فيسترقوا السمع من الملائكة ، وقيل الاستثناء متصل ، أي إلا من استرق فإنها لا تحفظ منه . قال أبو السعود : محله النصب على المتصل إن فسر الحفظ بمنع الشياطين من التعرض لها على الاطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة أو المنقطع إن فسر ذلك بالمنع من دخولها والتصرف فيها انتهى . قال ابن عباس : أراد أن يخطف السمع كقوله إلا من خطف الخطفة . فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ والمعنى حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنه تتبعه وتلحقه الشهب فتقتله أو تخبله أو تحرقه أو تثقبه ، ومعنى فأتبعه تبعه ولحقه أو أدركه والشهاب الكوكب نفسه أو النار المشتعلة الساطعة منه كما في قوله بشهاب قبس . وصنيع البيضاوي يقتضي أن الشهاب بمعنى الشعلة هو الحقيقة والكثير وبمعنى الكوكب هو القليل ، وسمي الكوكب شهابا لبريقه شبه بشهاب النار وانفصاله منها ، والمبين الواضح الظاهر للمبصرين يرونه لا يلتبس عليهم . قال القرطبي : واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا ، فقال ابن عباس : يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل ، يقال خبلته خبلا من باب ضرب إذا أفسدت عضوا من أعضائه أو أذهبت عقله ، والخبال بالفتح يطلق على الفساد والجنون . وقال الحسن وطائفة يقتل . فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان : أحدهما : أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء ولذلك انقطعت الكهانة . والثاني : أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن قال ذكره الماوردي ثم قال : والقول الأول أصح . قال : واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث فقال الأكثرون نعم : وقيل لا ، وإنما لذلك بعد المبعث ، قال الزجاج : والرمي بالشهب من آيات النبي صلى اللّه عليه وسلم مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في اشعارهم والجمع بين هذين القولين إن الرمي بالنجوم كان موجودا قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم فلما بعث شدد ذلك وزيد في حفظ السماء وحراستها صونا لأخبار الغيوب . وعن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ، فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع