صديق الحسيني القنوجي البخاري
55
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في جنوحك للسلم ولا تخف من مكرهم وفوض أمرك إليه فيما عقدته معهم ليكون ذلك عونا لك في جميع أحوالك إِنَّهُ سبحانه هُوَ السَّمِيعُ لما يقولون الْعَلِيمُ بما يفعلون . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 62 إلى 63 ] وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بالصلح وهم مضمرون الغدر والخدع وجواب الشرط محذوف أي فصالحهم ولا تخش منهم فَإِنَّ أي لأن حَسْبَكَ اللَّهُ أي كافيك بنصره ومعونته ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر ودفع خديعتهم . هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ تعليلية أي لا تخف من خدعهم ومكرهم ، فإن اللّه الذي قواك عليهم بالنصر فيما مضى وهو يوم بدر ، هو الذي سينصرك ويقويك عليهم عند حدوث الخدع والنكث ، والمراد بالمؤمنين المهاجرون والأنصار . فإن قلت : إذا كان اللّه قد أيده بنصره فأي حاجة إلى نصر المؤمنين حتى يقول وبالمؤمنين ؟ قلت التأييد والنصر من اللّه عز وجل وحده لكنه يكون بأسباب باطنة غير معلومة ، وبأسباب ظاهرة معلومة ، فأما الذي يكون بالأسباب الباطنة فهو المراد بقوله : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ لأن أسبابه باطنة بغير وسائط معلومة وأما الذي يكون بالأسباب الظاهرة فهو المراد بقوله : وَبِالْمُؤْمِنِينَ لأن أسبابه ظاهرة بوسائط معلومة وهم المؤمنون ، واللّه تعالى هو مسبب الأسباب ، وهو الذي أقامهم لنصره . ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وظاهره العموم وان ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر التي أيد اللّه بها رسوله . وقال جمهور المفسرين : المراد الأوس والخزرج ، فقد كان بينهم عصبية شديدة وأنفة عظيمة وانطواء على الضغينة من أدنى شيء وحروب عظيمة وفتن من منذ مائة وعشرين سنة ، لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، فألف اللّه بين قلوبهم بالإيمان برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانقلبت تلك الحالة واستجمعت كلمتهم ، وزالت حمية الجاهلية ، وأبدلت تلك الضغائن بالمحبة للّه وفي اللّه ، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأعوانا يقاتلون عنه ويحمونه ، وهذا مما لا يقدر عليه إلا اللّه عز وجل ، وصار ذلك معجزة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ظاهرة باهرة دالة على صدقه . وقيل أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار ، والحمل على العموم أولى ، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم بعضا ولا يحترم ماله ولا دمه حتى جاء الإسلام فصاروا يدا واحدة ، وذهب ما كان بينهم من العصبية والأنفة والحمية الجاهلية .