صديق الحسيني القنوجي البخاري

546

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد وردت أحاديث كثيرة في سؤال الملائكة للميت في قبره وفي جوابه عليهم وفي عذاب القبر وفتنته ، وليس هذا موضع بسطها وهي معروفة ، نسأل اللّه التثبيت في القبر وحسن الجواب وتسهيله بفضله إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير . وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ راجع للمثل الثاني ، أي يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت فلا يقدرون على التكلم في قبورهم ولا عند الحساب ، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا ، قيل والمراد بالظالمين هنا الكفرة ، وقيل كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة فإنه لا يثبت في مواقف الفتن ولا يهتدي إلى الحق . وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ من التثبيت للمؤمنين والخذلان للظالمين لا راد لحكمه ولا اعتراض عليه . قال الفراء : أي لا تنكر له قدرة ولا يسأل عما يفعل والإظهار في محل الإضمار في الموضعين لتربية المهابة . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً هذا خطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو لكل من يصلح له تعجيبا مما صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى إدراك وذلك بتكذيبهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم حين بعثه اللّه منهم وأنعم عليهم به ، وقيل إنهم بدلوا نفس النعمة كفرا . فالتبديل على الأول تغيير في الوصف والنعمة باقية لكنها موصوفة بالكفران وعلى الثاني تغيير في الذات والنعمة زائلة مبدلة بالكفر ، فإنهم لما كفروها سلبت عنهم ، فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها ، ولفظ ابن عباس هم كفار أهل مكة ، أخرجه البخاري والنسائي وبه قال جمهور المفسرين . قيل نزلت في الذين قاتلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر ، قال عليّ : هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر ، أخرجه النسائي . وقد روي عنه في تفسير هذه الآية من طرق نحو هذا ، وعن عمر بن الخطاب قال : هم الافجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين ، وعن عليّ نحوه أيضا ، وعن ابن عباس قال : هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم ، أخرجه ابن أبي حاتم وفيه نظر فإن جبلة وأصحابه لم يسلموا إلا في خلافة عمر بن الخطاب ؛ وقيل إنها عامة في جميع المشركين . وَأَحَلُّوا أي أنزلوا قَوْمَهُمْ بسبب ما زينوه لهم من الكفر دارَ الْبَوارِ وهي جهنم قيل هم قادة قريش أحلوهم يوم بدر دار الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا به والأول أولى لقوله . جَهَنَّمَ فإنه عطف بيان لدار البوار يقال بار الشيء يبور بورا بالضم هلك وبار الشيء بوارا كسد على الاستعارة لأنه إذا ترك صار غير منتفع به فأشبه الهالك من هذا