صديق الحسيني القنوجي البخاري

53

فتح البيان في مقاصد القرآن

ألهمه ، والرباط الذي يبنى للفقراء مولد ويجمع في القياس على ربط بضمتين ورباطات والمرابطة إقامة المسلمين بالثغور للحراسة فيها . وربط الخيل للجهاد من أعظم ما يستعان به ، قال ابن محيريز : كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند الشتات والغارات ، وقيل ربط الفحول أولى من الإناث لأنها أقوى على الكر والفر والعدو ، وقيل لفظ الخيل عام يتناول الفحول والإناث فأي ذلك ربط بنية الغزاة كان في سبيل اللّه . ومن فسر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب جعل عطف الخيل من عطف الخاص على العام ، وقد ورد في استحباب الرمي وما فيه من الأجر ، واستحباب اتخاذ الخيل وإعدادها وكثرة ثواب صاحبها أحاديث كثيرة لا يسع المقام بسطها وقد أفرد ذلك جماعة من العلماء بمصنفات . تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ الترهيب التخويف والضمير في به راجع إلى ما في ما استطعتم أو إلى المصدر المفهوم من وَأَعِدُّوا وهو الإعداد فقوله ترهبون إما حال من فاعل أَعِدُّوا أو من مفعوله أي حصلوا لهم هذا حال كونكم مرهبين أو أعدوه مرهبا به ، وجاز نسبته لكل منهما لأن في الجملة ضميريهما ، والمراد بعدو اللّه وعدوهم هم المشركون من أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب . وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ معطوف على عدو اللّه وعدوكم ومعنى من دونهم من غيرهم ، قيل هم اليهود ، وقيل فارس والروم ، وقيل المنافقون وفيه بعد ، وقيل كفار الجن ، قاله الحسن ورجحه ابن جرير الطبري وهو أبعد ، وقيل المراد كل من لا تعرف عداوته ، قاله السهيلي وقيل هم بنو قريظة خاصة ، وقيل غير ذلك والأولى الوقف في تعيينهم لقوله : لا تَعْلَمُونَهُمُ أي لا تعرفونهم بأعيانهم ، ومن عينهم قال : أي لا تعلمون بواطنهم وما انطووا عليه من النفاق ، والعلم فيه قولان . أحدهما : أنه معتدّ لواحد لأنه بمعنى المعرفة ولذلك تعدى لواحد . والثاني : أنه على بابه فيتعدى لاثنين والثاني محذوف أي لا تعلمونهم فازعين أو محاربين . وهذان القولان لا يجوز أن يجريا في قوله : اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ بل يجب أن يقال إنه المتعدي إلى اثنين وأن ثانيهما محذوف للفرق بين العلم والمعرفة بوجوه ( منها ) أن المعرفة تستدعي سبق جهل ومنها أن متعلقها الذوات دون النسب ، وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يطلق الوصف بالمعرفة على اللّه تعالى ، وهذا لا يرد لأنه ليس في الآية إطلاق اسم العارف عليه ، وإنما فيها إطلاق اسم العلم وإن كان بمعنى العرفان .