صديق الحسيني القنوجي البخاري
518
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل يمحو ما يشاء من الرزق ، وقيل من الأجل ، وقيل من الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ، وقيل يمحو ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء وقيل يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة . وقيل يمحو الآباء ويثبت الأبناء . وقيل يمحو القمر ويثبت الشمس كقوله فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 12 ] وقيل يمحو ما يشاء من الأرواح التي يقبضها حال النوم فيميت صاحبه ويثبت ما يشاء فيرده إلى صاحبه . وقيل يمحو ما يشاء من القرون ويثبت ما يشاء منها . وقيل يمحو الدنيا ويثبت الآخرة ، وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره والأول أولى كما يفيده ما في قوله ما يشاء من العموم مع تقدم ذكر الكتاب في قوله لكل أجل كتاب ومع قوله وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي جملة الكتاب قاله ابن عباس . والمعنى أصله وهو اللوح المحفوظ ، والأم أصل الشيء والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له ومنه أم الرأس للدماغ وأم القرى لمكة ، فالمراد من الآية إنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم ويثبت ما يشاء مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما يقتضيه مشيئته . وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم من قوله « جف القلم بما هو كائن » « 1 » وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه اللّه سبحانه ، وقيل إن أم الكتاب هو علم اللّه تعالى بما خلق وما هو خالق . قال ابن عباس : إن للّه لوحا محفوظا مسيرته خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوته والدفتان لوحان للّه فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب . وعن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه ينزل في ثلاث ساعات تبقين من الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو اللّه ما يشاء ويثبت » الحديث أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم وغيرهما . وأخرج الطبراني بإسناد قال السيوطي ضعيف عن ابن عمر سمعت رسول اللّه
--> ( 1 ) روي أحاديث قريبة بالمعنى واللفظ منها : « جف القلم على علم اللّه » ، أخرجه البخاري في القدر باب 2 ، والترمذي في الإيمان باب 18 ، وابن ماجة في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 2 / 176 ، 197 ، وحديث : « رفعت الأقلام وجفّت الصحف » أخرجه الترمذي في القيامة باب 59 ، وأحمد في المسند 1 / 293 ، 303 ، 307 ، وحديث : « جفت الأقلام وطويت الصحف » ، رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 1 / 278 .