صديق الحسيني القنوجي البخاري
512
فتح البيان في مقاصد القرآن
الذين استهزؤوا بالرسل فأمليت لهم ثم أخذتهم هل كان ظلما لهم أو كان عدلا ؟ أي هو واقع موقعه فكذلك أفعل بمن استهزأ بك . ثم استفهم سبحانه استفهاما آخر للتوبيخ والتقريع يجرى مجرى الحجاج للكفار واستركاك صنعهم والإزراء عليهم فقال : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ القائم الحفيظ والمتولي للأمور ، وأراد سبحانه نفسه فإنه المتولي لأمور خلقه المدبر لأحوالهم بالآجال والأرزاق وإحصاء الأعمال على كل نفس من الأنفس كائنة ما كانت ، والجواب محذوف ، أي أفمن هو بهذه الصفة كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تنفع ولا تضر . قال الفراء : كأنه في المعنى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم من دون اللّه ، والمراد من الآية إنكار المماثلة بينهما ، وقيل المراد بالقائم الملائكة الموكلون ببني آدم والأول أولى ، وبه قال ابن عباس ، وقال عطاء : اللّه قائم بالقسط والعدل على كل نفس . هُوَ قد جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ استئناف وهو الظاهر جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم ، وقيل الواو للحال وأقيم الظاهر مقام المضمر تقريرا للإلهية وتصريحا بها ، وقيل عطف على استهزىء أي ولقد استهزؤوا وجعلوا ، وقال أبو البقاء : معطوف على كسبت أي وجعلهم للّه شركاء والأول أولى . قُلْ سَمُّوهُمْ أي عينوا حقيقتهم من أي جنس ومن أي نوع أي وما أسماؤهم ، وفي هذا تبكيت لهم وتوبيخ ، لأنه إنما يقال هكذا في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال سمه إن شئت ، يعني أنه أحقر من أن يسمى وقيل إن المعنى صفوهم وبينوا أوصافهم بما يستحقون ويستأهلون به ، ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد ، وقيل المعنى سموهم بالآلهة كما تزعمون فيكون ذلك تهديدا لهم . أَمْ تُنَبِّئُونَهُ أي بل أتنبئون اللّه بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه العالم بما في السماوات والأرض ، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض أيضا لأنهم ادعوا له شريكا فيها أَمْ أي بل أتسمونهم شركاء بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ من غير أن يكون له حقيقة كتسمية الزنجي كافورا . وقيل المعنى قل لهم أتنبئون اللّه بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه ، فإن قالوا بباطن لا يعلمه فقد جاءوا بدعوى باطلة ، وإن قالوا بظاهر يعلمه فقل لهم سموهم فإذا سموا اللات والعزى ونحوهما فقل لهم إن اللّه لا يعلم لنفسه شريكا ، وقيل المعنى أم بزائل من القول باطل ، قاله مجاهد ، وقيل بكذب من القول ، وقيل بظن باطل لا